تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
السَّاجِدِينَ
قلنا : قد بينا أن هذه الآية تحتمل سائر الوجوه قوله تحمل هذه الآية على الكل ، قلنا هذا محال لأن حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه لا يجوز ، وأيضا حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معا لا يجوز ، وأما قوله عليه السلام : « لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات » فذلك محمول على أنه ما وقع في نسبه ما كان سفاحا ، أما قوله التغليظ مع الأب لا يليق بإبراهيم عليه السلام . قلنا : لعله أصر على كفره فلأجل الإصرار استحق ذلك التغليظ . واللَّه أعلم . المسألة الخامسة : قرئ
آزَرَ
بالنصب وهو عطف بيان لقوله :
لِأَبِيهِ
وبالضم على النداء ، وسألني واحد فقال : قرئ
آزَرَ
بهاتين القراءتين ، وأما قوله :
وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ
قرئ
هارُونَ
بالنصب وما قرئ البتة بالضم فما الفرق ؟ قلت القراءة بالضم محمولة على النداء والنداء بالاسم استخفاف بالمنادي . وذلك لائق بقصة إبراهيم عليه السلام لأنه كان مصرا على كفره فحسن أن يخاطب بالغلظة زجرا له عن ذلك القبيح ، وأما قصة موسى عليه السلام فقد كان موسى عليه السلام يستخلف هارون على قومه فما كان الاستخفاف لائقا بذلك الموضع ، فلا جرم ما كانت القراءة بالضم جائزة . المسألة السادسة : اختلف الناس في تفسير لفظ « الإله » والأصح أنه هو المعبود ، وهذه الآية تدل على هذا القول لأنهم ما أثبتوا للأصنام إلا كونها معبودة ، ولأجل هذا قال إبراهيم لأبيه :
أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً
وذلك يدل على أن تفسير لفظ « الإله » هو المعبود . / المسألة السابعة : اشتمل كلام إبراهيم عليه السلام في هذه الآية على ذكر الحجة العقلية على فساد قول عبدة الأصنام من وجهين : الأوّل : أن قوله :
أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً
يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة الآلهة ، إلا أن القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلي الذي فهم من قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
والثاني : أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافيا ، فلما لم يكن الواحد كافيا دل ذلك على أنها وإن كثرت فلا نفع فيها البتة . المسألة الثامنة : احتج بعضهم بهذه الآية على أن وجوب معرفة اللَّه تعالى ووجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع . قال لأن إبراهيم عليه السلام حكم عليهم بالضلال ، ولولا الوجوب العقلي لما حكم عليهم بالضلال . لأن ذلك المذهب كان متقدما على دعوة إبراهيم . ولقائل أن يقول : إنه كان ضلالا بحكم شرع الأنبياء الذين كانوا متقدمين على إبراهيم عليه السلام .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 75 ]

وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : « الكاف » في كذلك للتشبيه ، وذلك إشارة إلى غائب جرى ذكره والمذكور هاهنا فيما قبل هو أنه عليه السلام استقبح عبادة الأصنام ، وهو قوله :
إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
والمعنى : ومثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام نريه ملكوت السماوات والأرض . وهاهنا دقيقة عقلية ، وهي أن نور جلال اللَّه تعالى لائح غير منقطع ولا زائل البتة ، والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب ، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير اللَّه تعالى ، فإذا كان الأمر كذلك فبقدر ما يزول ذلك الحجاب يحصل هذا
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 34 | فخر الدين الرازي