تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
قوله :
تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
فبين تعالى أنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى اللَّه ، ولا تعويل إلا على فضل اللَّه ، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات ، لكنه ليس كذلك ، فإن الإنسان بعد الفوز بالسلامة والنجاة . يحيل تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية ، ويقدم على الشرك ، ومن المفسرين من يقول : المقصود من هذه الآية الطعن في إلهية الأصنام والأوثان ، وأنا أقول : التعلق بشيء مما سوى اللَّه في طريق العبودية يقرب من أن يكون تعلقا بالوثن ، فإن أهل التحقيق يسمونه بالشرك الخفي ، ولفظ الآية يدل على أن عند حصول هذه الشدائد يأتي الإنسان بأمور : أحدها : الدعاء . وثانيها : التضرع . وثالثها : الإخلاص بالقلب ، وهو المراد من قوله :
وَخُفْيَةً
ورابعها : التزام الاشتغال بالشكر ، وهو المراد من قوله :
لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
ثم بين تعالى أنه ينجيهم من تلك المخاوف ، ومن سائر موجبات الخوف والكرب . ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك ، ونظير هذه الآية قوله : /
ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ
وقوله
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك . إذا شاهدوا الأمر الهائل أخصلوا ، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا به .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 65 ]

قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ( 65 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل التوحيد وهو ممزوج بنوع من التخويف فبين كونه تعالى قادرا على إيصال العذاب إليهم من هذه الطرق المختلفة ، وأما إرسال العذاب عليهم تارة من فوقهم ، وتارة من تحت أرجلهم ففيه قولان : الأول : حمل اللفظ على حقيقته فنقول : العذاب النازل عليهم من فوق مثل المطر النازل عليهم من فوق ، كما في قصة نوح والصاعقة النازلة عليهم من فوق . وكذا الصيحة النازلة عليهم من فوق . كما حصب قوم لوط ، وكما رمى أصحاب الفيل ، وأما العذاب الذي ظهر من تحت أرجلهم . فمثل الرجفة ، ومثل خسف قارون . وقيل : هو حبس المطر والنبات وبالجملة فهذه الآية تتناول جميع أنواع العذاب التي يمكن نزولها من فوق ، وظهورها من أسفل . القول الثاني : أن يحمل هذا اللفظ على مجازه . قال ابن عباس : في رواية عن عكرمة عذابا من فوقكم أي من الأمراء ، ومن تحت أرجلكم من العبيد والسفلة . أما قوله :
أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً
فاعلم أن الشيع جمع الشيعة ، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة والجمع شيع وأشياع . قال تعالى :
كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ
[ سبأ : 54 ] وأصله من الشيع وهو اتبع ، ومعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضا . قال الزجاج قوله :
يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً
يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق ، فيجعلكم فرقا ولا تكونون فرقة واحدة ، فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضا وهو معنى قوله :
وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ
عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما : لما نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية شق ذلك على الرسول عليه / الصلاة والسلام وقال : « ما بقاء أمتي إن عوملوا بذلك » فقال له جبريل : إنما أنا عبد مثلك فادع ربك لأمتك ، فسأل ربه أن لا يفعل بهم ذلك . فقال جبريل : إن اللَّه قد أمنهم من خصلتين أن لا يبعث عليهم عذابا من فوقهم كما بعثه على قوم نوح ولوط ، ولا من تحت أرجلهم كما خسف بقارون ولم يجرهم من أن يلبسهم شيعا بالأهواء المختلفة ويذيق بعضهم بأس بعض