تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
الوجه الأول : انه تعالى أعطاكم عقولا كاملة وافهاما وافية وآذانا سامعة وعيونا باصرة وأقدركم على الخير والشر وأزال الاعذار والموانع بالكلية عنكم فان شئتم ذهبتم إلى عمل الخيرات وان شئتم إلى عمل المعاصي والمنكرات وهذه القدرة والمكنة معلومة الثبوت بالضرورة وزوال الموانع والعوائق معلوم الثبوت أيضا بالضرورة وإذا كان الأمر كذلك كان ادعاؤكم انكم عاجزون عن الايمان والطاعة دعوى باطلة فثبت بما ذكرنا انه ليس لكم على اللّه حجة بالغة ! بل للّه الحجة البالغة عليكم . والوجه الثاني : انكم تقولون : لو كانت أفعالنا واقعة على خلاف مشيئة اللّه تعالى لكنا قد غلبنا اللّه وقهرناه وأتينا بالفعل على مضادته ومخالفته وذلك يوجب كونه عاجزا ضعيفا وذلك يقدح في كونه الها . فأجاب تعالى عنه : بان العجز والضعف انما يلزم إذا لم أكن قادرا على حملهم على الايمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء وانا قادر على ذلك وهو المراد من قوله :
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
الا اني لا أحملكم على الايمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء لان ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف فثبت بهذا البيان ان الذي يقولونه من انا لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة اللّه فإنه يلزم منه كونه تعالى عاجزا ضعيفا كلام باطل فهذا أقصى ما يمكن ان يذكر في تمسك المعتزلة بهذه الآية . والجواب المعتمد في هذا الباب ان نقول : انا بينا ان هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على صحة قولنا ومذهبنا ونقلنا في كل آية ما يذكرونه من التأويلات وأجبنا عنها بأجوبة واضحة قوية مؤكدة بالدلائل العقلية القاطعة . وإذا ثبت هذا فلو كان المراد من هذه الآية ما ذكرتم لوقع التناقض الصريح في كتاب اللّه تعالى فإنه يوجب أعظم أنواع الطعن فيه . إذا ثبت هذا فنقول : انه تعالى حكى عن القوم انهم قالوا
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا
ثم ذكر عقيبه
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
فهذا يدل على أن القوم قالوا لما كان الكل بمشيئة اللّه تعالى وتقديره كان التكليف عبثا فكانت دعوى الأنبياء باطلة ونبوتهم ورسالتهم باطلة ثم إنه تعالى بين ان التمسك بهذا الطريق في ابطال النبوة باطل وذلك لأنه اله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا اعتراض عليه لاحد في فعله فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر ومع هذا فيبعث اليه الأنبياء ويأمره بالإيمان وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع . فالحاصل : انه تعالى حكى عن الكفار انهم يتمسكون بمشيئة اللّه تعالى في ابطال نبوة الأنبياء ثم إنه تعالى بين ان هذا الاستدلال فاسد باطل فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة للّه في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء وعلى هذا الطريق فقط سقط هذا الاستدلال بالكلية وجميع الوجوه التي ذكرتموها في التقبيح والتهجين عائد إلى تمسككم بثبوت المشيئة للّه على دفع دعوة الأنبياء فيكون الحاصل : ان هذا الاستدلال باطل وليس فيه البتة ما يدل على أن القول بالمشية باطل . فان قالوا : هذا العذر انما يستقيم إذ قرانا قوله تعالى :
كَذلِكَ كَذَّبَ
بالتشديد واما إذا قرأناه بالتخفيف فإنه يسقط هذا العذر بالكلية فنقول فيه وجهان . الأول : انا نمنع صحة هذه القراءة والدليل عليه انا بينا ان هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على قولنا : فلو كانت هذه الآية دالة على قولهم لوقع التناقض