تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
في حلق الرأس وكما في ضمان مال المسلم فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يتبدل ذلك بكونه خطأ أو عمدا فكذا هاهنا وأيضا / يحتجون بقوله عليه السلام في الضبع كبش إذا قتله المحرم ، وقول الصحابة في الظبي شاة ، وليس فيه ذكر العمد . أجاب داود بأن نص القرآن خير من خبر الواحد وقول الصحابي والقياس . المسألة الثالثة : ظاهر الآية يدل على أنه يجب أن يكون جزاء الصيد مثل المقتول ، إلا أنهم اختلفوا في المثل ، فقال الشافعي ومحمد بن الحسن : الصيد ضربان : منه ما له مثل ، ومنه ما لا مثل له ، فما له مثل يضمن بمثله من النعم ، وما لا مثل له يضمن بالقيمة . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : المثل الواجب هو القيمة . وحجة الشافعي : القرآن ، والخبر ، والإجماع ، والقياس . أما القرآن فقوله تعالى :
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ
والاستدلال به من وجوه أربعة : الأول : أن جماعة من القراء قرءوا
فَجَزاءٌ
بالتنوين ، ومعناه : فجزاء من النعم مماثل لما قتل ، فمن قال إنه مثله في القيمة فقد خالف النص ، وثانيها : أن قوما آخرين قرءوا
فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ
بالإضافة ، والتقدير : فجزاء ما قتل من النعم ، أي فجزاء مثل ما قتل يجب أن يكون من النعم ، فمن لم يوجبه فقد خالف النص ، ثالثها : قراءة ابن مسعود فجزاؤه مثل ما قتل من النعم وذلك صريح فيما قلناه : ورابعها : أن قوله تعالى :
يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ
صريح في أن ذلك الجزاء الذي يحكم به ذوا عدل منهم ، يجب أن يكون هديا بالغ الكعبة . فإن قيل : إنه يشري بتلك القيمة هذا الهدى . قلنا : النص صريح في أن ذلك الشيء الذي يحكم به ذوا عدل يجب أن يكون هديا وأنتم تقولون : الواجب هو القيمة ، ثم إنه يكون بالخيار إن شاء اشترى بها هديا يهدي إلى الكعبة ، وإن شاء لم يفعل ، فكان ذلك على خلاف النص ، وأما الخبر : فما روى جابر بن عبد اللَّه أنه سأل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن الضبع ، أصيد هو ؟ فقال نعم ، وفيه كبش إذا أخذه المحرم ، وهذا نص صريح . وأما الإجماع : فهو أن الشافعي رحمه اللَّه قال : تظاهرت الروايات عن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر في بلدان مختلفة وأزمان شتى : أنهم حكموا في جزاء الصيد بالمثل من النعم ، فحكموا في النعامة ببدنة ، وفي حمار الوحش ببقرة ، وفي الضبع بكبش ، وفي الغزال بعنز ، وفي الظبي بشاة ، وفي الأرنب بجفرة ، وفي رواية بعناق ، وفي الضب بسخلة ، وفي اليربوع بجفرة وهذا يدل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبها بالصيد من النعم لا بالقيمة ولو حكموا بالقيمة لاختلف باختلاف الأسعار والظبي هو الغزال الكبير الذكر والغزال هو / الأنثى واليربوع هو الفأرة الكبيرة تكون في الصحراء ، والجفرة الأنثى من أولاد المعز إذا انفصلت عن أمها والذكر جفر والعناق الأنثى من أولاد المعز إذا قويت قبل تمام الحول . وأما القياس فهو أن المقصود من الضمان جزاء الهالك ولا شك أن المماثلة كلما كانت أتم كان الجزاء أتم فكان الإيجاب أولى . حجة أبي حنيفة رحمه اللَّه تعالى : لا نزاع أن الصيد المقتول إذا لم يكن له مثل فإنه يضمن بالقيمة فكان المراد بالمثل في قوله
فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ
هو القيمة في هذه الصورة ، فوجب أن يكون في سائر الصور كذلك لأن اللفظ الواحد لا يجوز حمله إلا على المعنى الواحد .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 431 | فخر الدين الرازي