المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها .
وأما قوله تعالى :
مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
أي مما نزل على محمد وهو الحق .
فإن قيل : أي فرق بين ( من ) وبين ( من ) في قوله
مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
.
قلنا : الأولى : لابتداء الغاية ، والتقدير : أن فيض الدمع إنما ابتدئ من معرفة الحق ، وكان من أجله وبسببه ، والثانية : للتبعيض ، يعني أنهم عرفوا بعض الحق وهو القرآن فأبكاهم اللَّه ، فكيف لو عرفوا كله .
وأما قوله تعالى :
يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا
أي بما سمعنا وشهدنا أنه حق
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
وفيه وجهان :
الأول : يريد أمة محمد عليه الصلاة والسلام الذين يشهدون بالحق ، وهو مأخوذ من قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
[ البقرة : 143 ] والثاني : أي مع كل من شهد من أنبيائك ومؤمني عبادك بأنك لا إله غيرك . وأما قوله تعالى :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 84 ]
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ( 84 )
ففيه مسألتان :
الأولى : قال صاحب « الكشاف » محل
لا نُؤْمِنُ
النصب على الحال بمعنى غير مؤمنين ، كقولك قائما ، والواو في قوله
وَنَطْمَعُ
واو الحال .
فإن قيل : فما العامل في الحال الأولى والثانية .
قلنا : العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل ، كأنه قيل : أي شيء حصل لنا حال كوننا غير مؤمنين ، وفي الثاني معنى هذا الفعل ولكن مقيدا بالحال الأولى ، لأنك لو أزلتها وقلت : وما لنا ونطمع لم يكن كلاما ، ويجوز أن يكون
وَنَطْمَعُ
حالا من
لا نُؤْمِنُ
على أنهم أنكروا على أنفسهم أنهم لا يوحدون اللَّه ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين ، وأن يكون معطوفا على / قوله
لا نُؤْمِنُ
على معنى : وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصالحين .
المسألة الثانية : تقدير الآية : ويدخلنا ربنا مع القوم الصالحين جنّته ودار رضوانه ، قال تعالى :
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ
[ الحج : 59 ] إلا أنه حسن الحذف لكونه معلوما . ثم قال تعالى :
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 85 إلى 86 ]
فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 85 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 86 )
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ظاهر الآية يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك الثواب بمجرد القول لأنه تعالى قال :
فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا
وذلك غير ممكن لأن مجرد القول لا يفيد الثواب .
وأجابوا عنه من وجهين : الأول : أنه قد سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم فيما قالوا ، وهو المعرفة ، وذلك هو قوله
مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
[ المائدة : 83 ] فلما حصلت المعرفة والإخلاص وكمال الانقياد ثم