تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
المسألة الأولى : الآية دالة على أن عماهم وصممهم عن الهداية إلى الحق حصل مرتين . واختلف المفسرون في المراد بهاتين المرتين على وجوه : الأول : المراد أنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ، ثم تاب اللَّه على بعضهم حيث وفق بعضهم للإيمان به ، ثم عموا وصموا كثير منهم في زمان محمد عليه الصلاة والسلام بأن أنكروا نبوّته ورسالته ، وإنما قال
كَثِيرٌ مِنْهُمْ
لأن أكثر اليهود وإن أصروا على الكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام إلا أن / جمعا منهم آمنوا به : مثل عبد اللَّه بن سلام وأصحابه . الثاني : عموا وصموا حين عبدوا العجل ، ثم تابوا عنه فتاب اللَّه عليهم ، ثم عموا وصموا كثير منهم بالتعنت ، وهو طلبهم رؤية اللَّه جهرة ونزول الملائكة : الثالث : قال القفال رحمه اللَّه تعالى : ذكر اللَّه تعالى في سورة بني إسرائيل ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً * فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً
[ الإسراء : 4 - 6 ] فهذا في معنى
فَعَمُوا وَصَمُّوا
ثم قال
فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً
[ الإسراء : 7 ] فهذا في معنى قوله
ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ
الرابع : أن قوله
فَعَمُوا وَصَمُّوا
إنما كان برسول أرسل إليهم مثل داود وسليمان وغيرهما فآمنوا به فتاب اللَّه عليهم ، ثم وقعت فترة فعموا وصموا مرة أخرى . المسألة الثانية : قريء . عموا وصموا بالضم على تقدير : عماهم اللَّه وصمهم اللَّه ، أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم ، كما تقول : نزكته إذا ضربته بالنزك ، وهو رمح قصير ، وركبته إذا ضربته بركبتك . المسألة الثالثة : في قوله
ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ
وجوه : الأول : على مذهب من يقول من العرب « أكلوني البراغيث » والثاني : أن يكون
كَثِيرٌ مِنْهُمْ
بدلا عن الضمير في قوله
ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا
والإبدال كثير في القرآن قال تعالى :
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
[ السجدة : 7 ] وقال :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
[ آل عمران : 97 ] وهذا الإبدال هاهنا في غاية الحسن ، لأنه لو قال : عموا وصموا لأوهم ذلك أن كلهم صاروا كذلك ، فلما قال
كَثِيرٌ مِنْهُمْ
دل على أن ذلك حاصل للأكثر لا للكل . الثالث : أن قوله
كَثِيرٌ مِنْهُمْ
خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هم كثير منهم . المسألة الرابعة : لا شك أن المراد بهذا العمى والصمم الجهل والكفر ، فنقول : إن فاعل هذا الجهل هو اللَّه تعالى أو العبد ، والأول : يبطل قوله المعتزلة ، والثاني : باطل لأن الإنسان لا يختار البتة تحصيل الجهل والكفر لنفسه . فإن قالوا : إنما اختاروا ذلك لأنهم ظنوا أنه علم . قلنا : حاصل هذا أنهم إنما اختاروا هذا الجهل لسبق جهل آخر ، إلا أن الجهالات لا تتسلسل بل لا بدّ من انتهائها إلى الجهل الأول ، ولا يجوز أن يكون فاعله هو العبد لما ذكرناه ، فوجب أن يكون فاعله هو اللَّه تعالى . ثم قال تعالى :
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
أي من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل ، والمقصود منه التهديد .