عاقلة وعلمت أنه لا سبيل لها إلى تحصيل تلك المنفعة إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح فإنها كانت ترضى به ، فهذا هو العوض الذي لأجله يحسن الإيلام والإضرار .
الفرع الرابع : مذهب القاضي وأكثر معتزلة البصرة أن العوض منقطع . قال القاضي : وهو قول أكثر المفسرين ، لأنهم قالوا إنه تعالى بعد توفير العوض عليها يجعلها ترابا ، وعند هذا يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا . قال أبو القاسم البلخي : يجب أن يكون العوض دائما واحتج القاضي على قوله بأنه يحسن من الواحد منا أن يلتزم عملا شاقا والأجرة منقطعة ، فعلمنا أن إيصال الألم إلى الغير غير مشروط بدوام الأجرة . واحتج البلخي على قوله ، بأن قال : إنه لا يمكن قطع ذلك العوض إلا بإماتة تلك البهيمة ، وإماتتها توجب الألم وذلك الألم يوجب عوضا آخر ، وهكذا إلى ما لا آخر له .
والجواب عنه : أنه لم يثبت بالدليل أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا مع الإيلام . واللَّه أعلم .
الفرع الخامس : أن البهيمة إذا استحقت على بهيمة أخرى عوضا ، فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضا على اللَّه تعالى فإنه تعالى ينقل ذلك العوض إلى المظلوم . وإن لم يكن الأمر كذلك فاللَّه تعالى يكمل ذلك العوض ، فهذا مختصر من أحكام الأعواض على قول المعتزلة . واللَّه أعلم .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 39 ]
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 )
[ في قوله تعالى
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ
] فيه مسائل :
المسألة الأولى : في وجه النظم قولان : الأول : أنه تعالى بين من حال الكفار أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث كأن قلوبهم قد صارت ميتة عن قبول الإيمان بقوله
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
[ الأنعام : 36 ] فذكر هذه الآية تقريرا لذلك المعنى الثاني أنه تعالى لما ذكر في قوله
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
[ الأنعام : 38 ] في كونها دالة على كونها تحت تدبير مدبر قديم وتحت تقدير مقدر حكيم ، وفي أن عناية اللَّه محيطة بهم ، ورحمته واصلة إليهم ، قال بعده والمكذبون لهذه الدلائل والمنكرون لهذه العجائب صم لا يسمعون كلاما البتة ، بكم لا ينطقون بالحق ، خائضون في ظلمات الكفر ، غافلون عن تأمل هذه الدلائل .
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال ليس إلا من اللَّه تعالى . وتقريره أنه تعالى وصفهم بكونهم صما وبكما وبكونهم في الظلمات وهو إشارة إلى كونهم عميا فهو بعينه نظير قوله في سورة البقرة
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ *
[ البقرة : 18 ] .
ثم قال تعالى :
مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
وهو صريح في أن الهدى والضلال ليسا إلا من اللَّه تعالى . قالت المعتزلة : الجواب عن هذا من وجوه :
الوجه الأول : قال الجبائي معناه أنه تعالى يجعلهم صما وبكما يوم القيامة عند الحشر . ويكونون كذلك في الحقيقة بأن يجعلهم في الآخرة صما وبكما في الظلمات ، ويضلهم بذلك عن الجنة / وعن طريقها ويصيرهم