تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
ويسبحونني ويحمدونني . وإلى هذا القول ذهب طائفة عظيمة من المفسرين وقالوا : إن هذه الحيوانات تعرف اللَّه وتحمده وتوحده وتسبحه واحتجوا عليه بقوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ الإسراء : 44 ] وبقوله في صفة الحيوانات
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
[ النور : 41 ] وبما أنه تعالى خاطب النمل وخاطب الهدهد ، وقد استقصينا في تقرير هذا القول وتحقيقه في هذه الآيات . وعن أبي الدرداء أنه قال : أبهمت عقول البهائم عن كل شيء إلا عن أربعة أشياء : معرفة الإله ، وطلب الرزق ، ومعرفة الذكر والأنثى ، وتهيؤ كل واحد منهما لصاحبه . و روي عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة يعج إلى اللَّه يقول يا رب إن هذا قتلني عبثا لم ينتفع بي ولم يدعني آكل من خشاش الأرض » . والقول الثاني : المراد إلا أمم أمثالكم في كونها أمما وجماعات وفي كونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضا ، ويأنس بعضها ببعض ، ويتوالد بعضها من بعض كالإنس إلا أن للسائل أن يقول حمل / الآية على هذا الوجه لا يفيد فائدة معتبرة لأن كون الحيوانات بهذه الصفة أمر معلوم لكل أحد فلا فائدة في الاخبار عنها . القول الثالث : المراد أنها أمثالنا في أن دبرها اللَّه تعالى وخلقها وتكفل برزقها وهذا يقرب من القول الثاني في أنه يجري مجرى الاخبار عما علم حصوله بالضرورة . القول الرابع : المراد أنه تعالى كما أحصى في الكتاب كل ما يتعلق بأحوال البشر ، من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة فكذلك أحصى في الكتاب جميع هذه الأحوال في كل الحيوانات . قالوا : والدليل عليه قوله تعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
وليس لذكر هذا الكلام عقيب قوله
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
فائدة إلا ما ذكرناه . القول الخامس : أراد تعالى أنها أمثالنا في أنها تحشر يوم القيامة يوصل إليها حقوقها ، كما روي عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « يقتص للجماء من القرناء » . القول السادس : ما اخترناه في نظم الآية ، وهو أن الكفار طلبوا من النبي صلى اللَّه عليه وسلم الإتيان بالمعجزات القاهرة الظاهرة ، فبين تعالى أن عنايته وصلت إلى جميع الحيوانات كما وصلت إلى الإنسان . ومن بلغت رحمته وفضله إلى حيث لا يبخل به على البهائم كان بأن لا يبخل به على الإنسان أولى ، فدل منع اللَّه من إظهار تلك المعجزات القاهرة على أنه لا مصلحة لأولئك السائلين في إظهارها ، وأن إظهارها على وفق سؤالهم واقتراحهم يوجب عود الضرر العظيم إليهم . القول السابع : ما رواه أبو سليمان الخطابي عن سفيان بن عيينة ، أنه لما قرأ هذه الآية قال : ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم ، فمنهم من يقدم إقدام الأسد ، ومنهم من يعدو عدو الذئب ، ومنهم من ينبح نباح الكلب ، ومنهم من يتطوس كفعل الطاوس ، ومنهم من يشبه الخنزير فإنه لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه وإذا قام الرجل عن رجيعه ولغ فيه . فكذلك نجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها ، فإن أخطأت مرة واحدة حفظها ، ولم يجلس مجلسا إلا رواه عنه .