إزالة جميع وجوه التقصيرات . ومعلوم أن الكفار قصروا في دار الدنيا فهم يتمنون العود إلى الدنيا لتدارك تلك التقصيرات ، وذلك التدارك لا يحصل بالعود إلى الدنيا فقط ، ولا بترك التكذيب ، ولا بعمل الإيمان بل إنما يحصل التدارك بمجموع هذه الأمور الثلاثة فوجب إدخال هذه الثلاثة تحت التمني .
فإن قيل : كيف يحسن منهم تمني الرد مع أنهم يعلمون أن الرد يحصل لا البتة .
والجواب من وجوه : الأول : لعلّهم لم يعلموا أن الرد لا يحصل . والثاني : أنهم وإن علموا أن ذلك لا يحصل ؛ إلا أن هذا العلم لا يمنع من حصول إرادة الرد كقوله تعالى :
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ
[ المائدة : 37 ] وكقوله
أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
[ الأعراف : 50 ] فلما صح أن يريدوا هذه الأشياء مع العلم بأنها لا تحصل ، فبأن يتمنوه أقرب ، لأن باب التمني أوسع ، لأنه يصح أن يتمنى ما لا يصح أن يريد من الأمور الثلاثة الماضية .
ثم قال تعالى :
بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : معنى
بَلْ
هاهنا رد كلامهم ، والتقدير : أنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا ، وترك التكذيب ، وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان ، بل لأجل خوفهم من العقاب الذي شاهدوه وعاينوه . وهذا يدل على أن الرغبة في الإيمان والطاعة لا تنفع إلا إذا كانت تلك الرغبة رغبة فيه ، لكونه إيمانا وطاعة ، فأما الرغبة فيه لطلب الثواب ، والخوف من العقاب فغير مفيد .
المسألة الثانية : المراد من الآية : أنه ظهر لهم في الآخرة ما أخفوه في الدنيا . وقد اختلفوا في ذلك الذي أخفوه على وجوه : الأول : قال أبو روق : إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
فينطق اللَّه جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر ، فذلك حين بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل .
قال الواحدي : وعلى هذا القول أهل التفسير . الثاني : / قال المبرد : بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها ، وذلك لأن كفرهم ما كان باديا ظاهرا لهم ، لأن مضار كفرهم كانت خفية ، فلما ظهرت يوم القيامة لا جرم قال اللَّه تعالى :
بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ
الثالث : قال الزجاج : بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء عنهم من أمر البعث والنشور . قال والدليل على صحة هذا القول أنه تعالى ذكر عقيبه
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
[ الأنعام : 29 ] وهذا قول الحسن . الرابع : قال بعضهم : هذه الآية في المنافقين ، وقد كانوا يسرون الكفر ويظهرون الإسلام ، وبدا لهم يوم القيامة ، وظهر بأن عرف غيرهم أنهم كانوا من قبل منافقين . الخامس : قيل بدا لهم ما كان علماؤهم يخفون من جحد نبوّة الرسول ونعته وصفته في الكتب والبشارة به ، وما كانوا يحرفونه من التوراة مما يدل على ذلك .
واعلم أن اللفظ محتمل لوجوه كثيرة . والمقصود منها بأسرها أنه ظهرت فضيحتهم في الآخرة وانهتكت أستارهم . وهو معنى قوله تعالى :
يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ
[ الطارق : 9 ] .
ثم قال تعالى :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
والمعنى أنه تعالى لو ردهم لم يحصل منهم ترك التكذيب وفعل الإيمان ، بل كانوا يستمرون على طريقتهم الأولى في الكفر والتكذيب .
فإن قيل : إن أهل القيامة قد عرفوا اللَّه بالضرورة ، وشاهدوا أنواع العقاب والعذاب فلو ردهم اللَّه تعالى