تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
وإذا ثبت بالدليل العقلي صحة ما دل عليه ظاهر هذه الآية ، وجب حمل هذه الآية عليه عملا بالبرهان وبظاهر القرآن ، واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : أنه تعالى قال :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ
فذكره بصيغة الإفراد ثم قال :
عَلى قُلُوبِهِمْ
فذكره بصيغة الجمع . وإنما حسن ذلك لأن صيغة ( من ) واحد في اللفظ جمع في المعنى . وأما قوله تعالى :
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها
قال ابن عباس : وإن يروا كل دليل وحجة / لا يؤمنوا بها لأجل أن اللَّه تعالى جعل على قلوبهم أكنة ، وهذه الآية تدل على فساد التأويل الأول الذي نقلناه عن الجبائي ، ولأنه لو كان المراد من قوله تعالى :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
إلقاء النوم على قلوب الكفار لئلا يمكنهم التوسل بسماع صوته على وجدان مكانه لما كان قوله
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها
لائقا بهذا الكلام ، وأيضا لو كان المراد ما ذكره الجبائي لكان يجب أن يقال : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يسمعوه ، لأن المقصود الذي ذكره الجبائي إنما يحصل بالمنع من سماع صوت الرسول عليه السلام أما المنع من نفس كلامه ومن فهم مقصوده ، فلا تعلق له بما ذكره الجبائي فظهر سقوط قوله . واللَّه أعلم . أما قوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ
فاعلم أن هذا الكلام جملة أخرى مرتبة على ما قبلها و
حَتَّى
في هذا الموضع هي التي يقع بعدها الجمل ، والجملة هي قوله
إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ
يقول الذين كفروا ، ويجادلونك في موضع الحال وقوله
يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا
تفسير لقوله
يُجادِلُونَكَ
والمعنى أنه بلغ بتكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك ، وفسّر مجادلتهم بأنهم يقولون
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
قال الواحدي : وأصل الأساطير من السطر ، وهو أن يجعل شيئا ممتدا مؤلفا ومنه سطر الكتاب وسطر من شجر مغروس . قال ابن السكيت : يقال سطر وسطر ، فمن قال سطر فجمعه في القليل أسطر والكثير سطور ، ومن قال سطر فجمعه أسطار ، والأساطير جمع الجمع ، وقال الجبائي : واحد الأساطير أسطور وأسطورة وأسطير وأسطيرة ، وقال الزجاج : واحد الأساطير أسطورة مثل أحاديث وأحدوثة . وقال أبو زيد : الأساطير من الجمع الذي لا واحد له مثل عباديد ثم قال الجمهور : أساطير الأولين ما سطره الأولون . قال ابن عباس : معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها . فأما قول من فسر الأساطير بالترهات ، فهو معنى وليس مفسرا . ولما كانت أساطير الأولين مثل حديث رستم وإسفنديار كلاما لا فائدة فيه لا جرم فسرت أساطير الأولين بالترهات . المسألة الرابعة : اعلم أنه كان مقصود القوم من ذكر قولهم
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
القدح في كون القرآن معجزا فكأنهم قالوا : إن هذا الكلام من جنس سائر الحكايات المكتوبة ، والقصص المذكورة للأولين ، وإذا كان هذا من جنس تلك الكتب المشتملة على حكايات الأولين وأقاصيص الأقدمين لم يكن معجزا خارقا للعبادة . وأجاب القاضي عنه بأن قال : هذا السؤال مدفوع لأنه يلزم أن يقال لو كان في مقدوركم معارضته لوجب أن تأتوا بتلك المعارضة وحيث لم يقدروا عليها ظهر أنها معجزة . ولقائل أن يقول : كان للقوم أن يقولوا نحن وإن كنا أرباب / هذا اللسان العربي إلا أنا لا نعرف كيفية تصنيف الكتب وتأليفها ولسنا أهلا لذلك . ولا يلزم من عجزنا عن التصنيف كون القرآن معجزا لأنا بينا أنه من جنس سائر الكتب المشتملة على أخبار الأولين وأقاصيص الأقدمين .