تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 21 إلى 22 ]

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 21 ) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 22 ) اعلم أنه تعالى لما حكم على أولئك المنكرين بالخسران في الآية الأولى بيّن في هذه الآية سبب ذلك الخسران ، وهو أمران : أحدهما : أن يفترى على اللَّه كذبا ، وهذا الافتراء يحتمل وجوها : الأول : أن كفار مكة كانوا يقولون هذه الأصنام شركاء اللَّه ، واللَّه سبحانه وتعالى أمرهم بعبادتها والتقرب إليها ، وكانوا أيضا يقولون الملائكة بنات اللَّه ، ثم نسبوا إلى اللَّه تحريم البحائر والسوائب . وثانيها : أن اليهود والنصارى كانوا يقولون : حصل في التوراة والإنجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرق إليهما النسخ والتغيير ، وأنهما لا يجيء بعدهما نبي ، وثالثها : ما ذكره اللَّه تعالى في قوله
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها
[ الأعراف : 28 ] ورابعها : أن اليهود كانوا يقولون
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
[ المائدة : 18 ] وكانوا يقولون
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً
[ البقرة : 80 ] وخامسها : أن بعض الجهال منهم كان يقول : إن اللَّه فقير ونحن أغنياء ، وأمثال هذه الأباطيل التي كانوا ينسبونها إلى اللَّه كثيرة ، وكلها افتراء منهم على اللَّه . والنوع الثاني : من أسباب خسرانهم تكذيبهم بآيات اللَّه ، والمراد منه قدحهم في معجزات محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وطعنهم فيها وإنكارهم كون القرآن معجزة قاهرة بينة ، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذين الأمرين قال :
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا وفي الآخرة بل يبقون في الحرمان والخذلان . أما قوله
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً
ففي ناصب قوله
وَيَوْمَ
أقوال : الأول : أنه محذوف وتقديره ويوم نحشرهم كان كيت وكيت ، فترك ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في التخويف ، والثاني : التقدير اذكر يوم نحشرهم ، والثالث : أنه معطوف على محذوف كأنه قيل لا يفلح الظالمون أبدا ويوم نحشرهم . وأما قوله
ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
فالمقصود منه التقريع والتبكيت لا السؤال ، ويحتمل أن يكون معناه أين نفس الشركاء ، ويحتمل أن يكون المراد أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم ، وعلى كلا الوجهين : لا يكون الكلام إلا توبيخا وتقريعا وتقريرا في نفوسهم أن الذي كانوا يظنونه مأيوس عنه ، وصار ذلك تنبيها لهم في دار الدنيا على فساد هذه الطريقة ، والعائد على الموصول من قوله
الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
محذوف ، والتقدير : الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاء ، فحذف مفعول الزعم لدلالة السؤال عليه ، قال ابن عباس : وكل زعم في كتاب اللَّه كذب .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 23 إلى 24 ]

ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 23 ) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 ) [ في قوله تعالى
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
] اعلم أن هاهنا مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ
بالتاء المنقطة من فوق وفتنتهم بالرفع ، وقرأ حمزة والكسائي ثم لم يكن بالياء وفتنتهم بالنصب ، وأما القراءة بالتاء المنقطة من فوق ونصب الفتنة ، فههنا قوله أن قالوا : في محل الرفع لسكونه اسم تكن ، وإنما أنث لتأنيث الخبر كقوله من كانت أمك أو