والتأليف عند ضم الأشياء إلى بعض ، فلما كان الأصل الشق جاز أن يكون في حال شق إصلاح وفي حال أخرى شق إفساد . ففاطر السماوات / من الإصلاح لا غير . وقوله
هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
[ الملك : 3 ] و
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ
[ الانفطار : 1 ] من الإفساد ، وأصلهما واحد .
ثم قال تعالى :
وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ
أي وهو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد .
فإن قيل : كيف فسرت الإطعام بالرزق ؟ وقد قال تعالى :
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ
[ الذاريات : 57 ] والعطف يوجب المغايرة .
قلنا : لا شك في حصول المغايرة بينهما ، إلا أنه قد يحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر لشدة ما بينهما من المقاربة والمقصود من الآية : أن المنافع كلها من عنده ، ولا يجوز عليه الانتفاع . وقرئ
وَلا يُطْعَمُ
بفتح الياء ، وروى ابن المأمون عن يعقوب
وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ
على بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل ، وعلى هذا التقدير : فالضمير عائد إلى المذكور في قوله
أَ غَيْرَ اللَّهِ
وقرأ الأشهب وهو يطعم ولا يطعم على بنائهما للفاعل . وفسر بأن معناه : وهو يطعم ولا يستطعم . وحكى الأزهري : أطعمت بمعنى استطعمت . ويجوز أن يكون المعنى : وهو يطعم تارة ولا يطعم أخرى على حسب المصالح كقوله : وهو يعطي ويمنع ، ويبسط ويقدر ، ويغني ويفقر .
واعلم أن المذكور في صدر الآية هو المنع من اتخاذ غير اللَّه تعالى وليا . واحتج عليه بأنه فاطر السماوات والأرض وبأنه يطعم ولا يطعم . ومتى كان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غيره وليا . أما بيان أنه فاطر السماوات والأرض ، فلأنا بينا أن ما سوى الواحد ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يقع موجودا إلا بإيجاد غيره ، فنتج أن ما سوى اللَّه فهو حاصل بإيجاده وتكوينه . فثبت أنه سبحانه هو الفاطر لكل ما سواه من الموجودات . وأما بيان أنه يطعم ولا يطعم فظاهره لأن الإطعام عبارة عن إيصال المنافع ، وعدم الاستطعام عبارة عن عدم الانتفاع . ولما كان هو المبديء تعالى وتقدس لكل ما سواه ، كان لا محالة هو المبديء لحصول جميع المنافع . ولما كان واجبا لذاته كان لا محالة غنيا ومتعاليا عن الانتفاع بشيء آخر فثبت بالبرهان صحة أنه تعالى فاطر السماوات والأرض ، وصحة أنه يطعم ولا يطعم ، وإذا ثبت هذا امتنع في العقل اتخاذ غيره وليا لأن ما سواه محتاج في ذاته وفي جميع صفاته وفي جميع ما تحت يده . والحق سبحانه هو الغني لذاته الجواد لذاته ، وترك الغني الجواد ، والذهاب إلى الفقير المحتاج ممنوع عنه في صريح العقل .
وإذا عرفت هذا فنقول : قد سبق في هذا الكتاب بيان أن الولي معناه الأصلي في اللغة : هو القريب . وقد ذكرنا وجوه الاشتقاقات فيه . فقوله
قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا
يمنع من القرب من غير اللَّه تعالى . فهذا يقتضي تنزيه القلب عن الالتفات إلى غير اللَّه تعالى ، وقطع العلائق عن كل ما سوى اللَّه تعالى .
ثم قال تعالى :
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ
والسبب أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم سابق أمته في الإسلام لقوله
وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ
[ الأنعام : 163 ] ولقول موسى
سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
[ الأعراف : 143 ] .
ثم قال :
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
ومعناه أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك . ثم إنه تعالى لما بيّن كون