تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
أصيب منه ، إلا أن يكون مشعرا بدنة أو بقرة من لحاء شجر الحرم ، أو محرما بعمرة إلى البيت ، فحينئذ لا يتعرض له ، فأمر اللَّه المسلمين بتقرير هذا المعنى . ثم قال :
وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ
أي قوما قاصدين المسجد الحرام ، وقرأ عبد اللَّه : ولا آمي البيت الحرام على الإضافة . ثم قال تعالى :
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً
وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حميد بن قيس الأعرج
تَبْتَغُونَ
بالتاء على خطاب المؤمنين . المسألة الثانية : في تفسير الفضل والرضوان وجهان : الأول : يبتغون فضلا من ربهم بالتجارة المباحة لهم في حجهم ، كقوله
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
[ البقرة : 198 ] قالوا : نزلت في تجاراتهم أيام الموسم ، والمعنى : لا تمنعوهم فإنما قصدوا البيت لإصلاح معاشهم ومعادهم ، فابتغاء الفضل للدنيا ، وابتغاء الرضوان للآخرة . قال أهل العلم : إن المشركين كانوا يقصدون بحجهم ابتغاء رضوان اللَّه وإن كانوا لا ينالون ذلك ، فلا يبعد أن يحصل لهم بسبب هذا القصد نوع من الحرمة . والوجه الثاني : أن المراد بفضل اللَّه الثواب ، وبالرضوان أن يرضى عنهم ، وذلك لأن الكافر وإن كان لا ينال الفضل والرضوان لكنه يظن أن بفعله طالب لهما ، فيجوز أن يوصف بذلك بناء على ظنه ، قال تعالى :
وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ
[ طه : 97 ] وقال
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
[ الدخان : 49 ] . المسألة الثالثة : اختلف الناس فقال بعضهم : هذه الآية منسوخة ، لأن قوله
لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ
يقتضي حرمة القتال في الشهر الحرام ، وذلك منسوخ بقوله
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
[ التوبة : 5 ] قوله
وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ
يقتضي حرمة منع المشركين عن المسجد الحرام وذلك منسوخ بقوله
فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا
[ البقرة : 28 ] وهذا قول كثير من المفسرين كابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة . وقال الشعبي : لم ينسخ من سورة المائدة إلا هذه الآية . وقال قوم آخرون من المفسرين : هذه الآية غير منسوخة ، وهؤلاء لهم طريقان : الأول : أن اللَّه تعالى أمرنا في هذه الآية أن لا نخيف من يقصد بيته من المسلمين ، وحرم علينا أخذ الهدى من المهدين إذا كانوا مسلمين ، والدليل عليه أول الآية وآخرها ، أما أول الآية فهو قوله
لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ
وشعائر اللَّه إنما تليق بنسك المسلمين وطاعاتهم لا بنسك الكفار ، وأما آخر الآية فهو قوله
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً
وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر . الثاني : قال أبو مسلم الأصفهاني : المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الحظر ولزم المراد بقوله تعالى :
فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا
. ثم قال تعالى :
وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا
وفيه مسائل : المسألة الأولى : قريء : وإذا أحللتم يقال حل المحرم وأحل ، وقريء بكسر الفاء وقيل هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء . المسألة الثانية : هذه الآية متعلقة بقوله
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
[ المائدة : 1 ] يعني لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام ، فإذا زال الإحرام وجب أن يزول المنع .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 281 | فخر الدين الرازي