بفتح الراء ، يقال : إن الدنيا عرض حاضر يأخذ منها البر والفاجر ، والعرض بسكون الراء ما سوى الدراهم والدنانير ، وإنما سمي متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير باق ومنه يسمي المتكلمون ما خالف الجوهر من الحوادث عرضا لقلة لبثه ، فقوله :
فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ
يعني ثوابا كثيرا ، فنبّه تعالى بتسميته عرضا على كونه سريع الفناء قريب الانقضاء ، وبقوله :
فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ
على أن ثواب اللَّه موصوف بالدوام والبقاء كما قال :
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ *
[ مريم : 76 ] .
ثم قال تعالى :
كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ
وهذا يقتضي تشبيه هؤلاء المخاطبين بأولئك الذين ألقوا / السلم ، وليس فيه بيان أن هذا التشبيه فيم وقع ، فلهذا ذكر المفسرون فيه وجوها : الأول : أن المراد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام كما سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة حقنت دماءكم وأموالكم من غير توقيف ذلك على حصول العلم بأن قلبكم موافق لما في لسانكم ، فعليكم بأن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم ، وأن تعتبروا ظاهر القول ، وأن لا تقولوا إن إقدامهم على التكلم بهذه الكلمة لأجل الخوف من السيف ، هذا هو الذي اختاره أكثر المفسرين ، وفيه إشكال لأن لهم أن يقولوا : ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء ، لأنا آمنا عن الطواعية والاختيار ، وهؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف ، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر .
الوجه الثاني : قال سعيد بن جبير : المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى هذا الداعي إيمانه عن قومه ، ثم منّ اللَّه عليكم بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم ، فأنتم عاملوهم بمثل هذه المعاملة ، وهذا أيضا فيه إشكال لأن إخفاء الإيمان ما كان عاما فيهم . الثالث : قال مقاتل : المراد كذلك كنتم من قبل الهجرة حين كنتم فيما بين الكفار تأمنون من أصحاب رسول اللَّه بكلمة « لا إله إلا اللَّه » فاقبلوا منهم مثل ذلك ، وهذا يتوجه عليه الإشكال الأول ، والأقرب عندي أن يقال : إن من ينتقل من دين إلى دين ففي أول الأمر يحدث ميل قليل بسبب ضعيف ، ثم لا يزال ذلك الميل يتأكد ويتوقى إلى أن يكمل ويستحكم ويحصل الانتقال ، فكأنه قيل لهم :
كنتم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام ، ثم من اللَّه عليكم بالإسلام بتقوية ذلك الميل وتأكيد النفرة عن الكفر ، فكذلك هؤلاء كما حدث فيهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم هذا الإيمان ، فإن اللَّه تعالى يؤكد حلاوة الإيمان في قلوبهم ويقوي تلك الرغبة في صدورهم ، فهذا ما عندي فيه .
ثم قال تعالى :
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
وفيه احتمالان : الأول : أن يكون هذا متعلقا بقوله :
كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ
يعني إيمانكم كان مثل إيمانهم في أنه إنما عرف منه مجرد القول اللساني دون ما في القلب ، أو في أنه كان في ابتداء الأمر حاصلا بسبب ضعيف ، ثم منّ اللَّه عليكم حيث قوي نور الإيمان في قلوبكم وأعانكم على العمل به والمحبة له . والثاني : أن يكون هذا منقطعا عن هذا الموضع ، ويكون متعلقا بما قبله ، وذلك لأن القوم لما قتلوا من تكلم بلا إله إلا اللَّه ، ثم إنه تعالى نهاهم عن هذا الفعل وبين لهم أنه من العظائم قال بعد ذلك
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
أي من عليكم بأن / قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر .
ثم أعاد الأمر بالتبيين فقال :
فَتَبَيَّنُوا
وإعادة الأمر بالتبيين تدل على المبالغة في التحذير عن ذلك الفعل .
ثم قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
والمراد منه الوعيد والزجر عن الإظهار بخلاف الإضمار .