تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
لأحد ولا نصير لأحد إلا اللَّه سبحانه وتعالى ثم قال تعالى :

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 124 ]

وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ( 124 ) قال مسروق : لما نزل قوله
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
[ النساء : 123 ] قال أهل الكتاب للمسلمين : نحن وأنتم سواء ، فنزلت هذه الآية إلى قوله
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً
وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم يدخلون الجنة بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله ، وكذلك في سورة مريم وفي حم المؤمن ، والباقون بفتح الياء وضم الخاء في هذه السورة جميعا على أن الدخول مضاف إليهم ، وكلاهما حسن ، والأول أحسن لأنه أفخم ، ويدل على مثيب أدخلهم الجنة ويوافق
وَلا يُظْلَمُونَ
وأما القراءة الثانية فهي مطابقة لقوله تعالى :
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ
[ الزخرف : 70 ] ولقوله
ادْخُلُوها بِسَلامٍ *
[ الحجر : 46 ] [ ق : 34 ] واللَّه أعلم . المسألة الثانية : قالوا : الفرق بين ( من ) الأولى والثانية أن الأولى للتبعيض ، والمراد من يعمل بعض الصالحات لأن أحدا لا يقدر على أن يعمل جميع الصالحات ، بل المراد أنه إذا عمل بعضها حال كونه مؤمنا استحق الثواب . واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن صاحب الكبيرة لا يبقى مخلدا في النار ، بل ينقل إلى الجنة ، وذلك لأنا بينا أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإذا ثبت هذا فنقول : إن صاحب الكبيرة إذا كان قد صلّى وصام وحج وزكى وجب بحكم هذه الآية أن يدخل الجنة ، ولزم بحكم الآيات الدالة على وعيد الفساق أن يدخل النار ، فأما أن يدخل الجنة ثم ينقل إلى النار فذلك باطل بالإجماع ، أو يدخل النار ثم ينقل إلى الجنة فذلك هو الحق الذي لا محيد عنه واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : النقير : نقرة في ظهر النواة منها تنبت النخلة ، والمعنى أنهم لا ينقصون قدر منبت النواة . فإن قيل : كيف خص اللَّه الصالحين بأنهم لا يظلمون مع أن غيرهم كذلك كما قال
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] وقال
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ
[ آل عمران : 108 ] . والجواب من وجهين : الأول : أن يكون الراجع في قوله
وَلا يُظْلَمُونَ
عائدا إلى عمال السوء / وعمال الصالحات جميعا ، والثاني : أن كل ما لا ينقص عن الثواب كان بأن لا يزيد في العقاب أولى هذا هو الحكم فيما بين الخلق ، فذكر اللَّه تعالى هذا الحكم على وفق تعارف الخلق .

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 125 إلى 126 ]

وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً ( 125 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً ( 126 ) [ في قوله تعالى
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
] اعلم أنه تعالى لما شرط حصول النجاة والفوز بالجنة بكون الإنسان مؤمنا شرح الإيمان وبين فضله من
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 228 | فخر الدين الرازي