تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
تنجس موضع آخر ! السادس : أن قوله
وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
مذكور عقيب التيمم ، ومن المعلوم بالضرورة أن التيمم زيادة في التقدير وإزالة الوضاءة والنظافة ، وأنه لا يزيل شيئا من النجاسات أصلا ، السابع : أن المسح على الخفين قائم مقام غسل الرجلين ، ومعلوم أن هذا المسح لا يزيل شيئا البتة عن الرجلين ، الثامن : أن الذي يراد زواله إن كان من جملة الأجسام فالحس يشهد ببطلان ذلك ، وإن كان من جملة الإعراض فهو محال ، لأن انتقال الأعراض محال ، فثبت بهذه الوجوه أن الذي يقوله هؤلاء الفقهاء بعيد . الوجه الثاني : في تفسير هذا التطهير أن يكون المراد منه طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة اللَّه تعالى ، وذلك لأن الكفر والمعاصي نجاسة للأرواح ، فإن النجاسة إنما كانت نجاسة لأنها شيء يراد نفيه وإزالته وتبعيده ، والكفر والمعاصي كذلك ، فكانت نجاسات روحانية ، وكما أن إزالة النجاسات الجسمانية تسمى طهارة فكذلك إزالة هذه العقائد الفاسدة والأخلاق الباطلة تسمى طهارة ، ولهذا التأويل قال اللَّه تعالى :
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ
فجعل رأيهم نجاسة ، وقال
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
[ الأحزاب : 33 ] فجعل براءتهم عن المعاصي طهارة لهم . وقال في حق عيسى عليه السلام :
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ آل عمران : 55 ] فجعل خلاصه عن طعنهم وعن تصرفهم فيه تطهيرا له . وإذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما أمر العبد بإيصال الماء إلى هذه الأعضاء المخصوصة وكانت هذه الأعضاء طاهرة لم يعرف العبد في هذا التكليف فائدة معقولة ، فلما انقاد لهذا التكليف كان ذلك الانقياد لمحض إظهار العبودية والانقياد للربوبية ، فكان هذا الانقياد قد أزال عن قلبه آثار التمرد فكان ذلك طهارة ، فهذا هو الوجه الصحيح في تسمية هذه الأعمال طهارة ، وتأكد / هذا بالأخبار الكثيرة الواردة في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه ، وكذا القول في يديه ورأسه ورجائه . واعلم أن هذه القاعدة التي قررناها أصل معتبر في مذهب الشافعي رحمه اللَّه ، وعليه يخرج كثير من المسائل الخلافية في أبواب الطهارة واللَّه أعلم . أما قوله
وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
ففيه وجهان : الأول : أن الكلام متعلق بما ذكر من أول السورة إلى هنا ، وذلك لأنه تعالى أنعم في أول السورة بإباحة الطيبات من المطاعم والمناكح ، ثم إنه تعالى ذكر بعده كيفية فرض الوضوء فكأنه قال : إنما ذكرت ذلك لتتم النعمة المذكورة أولا وهي نعمة الدنيا ، والنعمة المذكورة ثانيا وهي نعمة الدين . الثاني : أن المراد : وليتم نعمته عليكم أي بالترخص في التيمم والتخفيف في حال السفر والمرض ، فاستدلوا بذلك على أنه تعالى يخفف عنكم يوم القيامة بأن يعفو عن ذنوبكم ويتجاوز عن سيئاتكم . ثم قال تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
والكلام في « لعل » مذكور في أول سورة البقرة في قوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *
[ البقرة : 21 ] واللَّه أعلم .

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 7 ]

وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 7 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر هذا التكليف أردفه بما يوجب عليهم القبول والانقياد ، وذلك من وجهين : الأول :
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 318 | فخر الدين الرازي