المسألة الثانية : إن قلنا : المراد بالمحصنات : الحرائر ، لم تدخل الأمة الكتابية تحت الآية ، وإن قلنا :
المراد بالمحصنات : العفائف دخلت ، وعلى هذا البحث وقع الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة فعند الشافعي لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية . قال : لأنه اجتمع في حقها نوعان من النقصان : الكفر والرق ، وعند أبي حنيفة رحمه اللَّه يجوز ، وتمسك بهذه الآية بناء على أن المراد بالمحصنات العفائف وقد سبق الكلام فيه .
المسألة الثالثة : قال سعيد بن المسيب والحسن
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
يدخل فيه الذميات والحربيات ، فيجوز التزوج بكلهن ، وأكثر الفقهاء على أن ذلك مخصوص بالذمية فقط ، وهذا قول ابن عباس ، فإنه قال : من نساء أهل الكتاب من يحل لنا ، ومنهن من لا يحل لنا ، وقرأ
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
إلى قوله
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ
[ التوبة : 29 ] فمن أعطى الجزية حل ، ومن لم يعط لم يحل .
المسألة الرابعة : اتفقوا على أن المجوس قد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم ، وروي عن ابن المسيب أنه قال : إذا كان المسلم مريضا فأمر المجوسي أن يذكر اللَّه ويذبح فلا بأس ، وقال أبو ثور : وإن أمره بذلك في الصحة فلا بأس .
المسألة الخامسة : قال الكثير من الفقهاء : إنما يحل نكاح الكتابية التي دانت بالتوراة والإنجيل قبل نزول القرآن ، قالوا : والدليل عليه قوله
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
فقوله
مِنْ قَبْلِكُمْ
يدل على أن من دان الكتاب بعد نزول الفرقان خرج عن حكم الكتاب .
ثم قال تعالى :
إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
وتقييد التحليل بإيتاء الأجور يدل على تأكد وجوبها وأن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقها كان في صورة الزاني ، وتسمية المهر بالأجر يدل على أن الصداق لا يتقدر ، كما أن أقل الأجر لا يتقدر في الإجارات .
ثم قال تعالى :
مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ
قال الشعبي : الزنا ضربان : السفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان ، واتخاذ الخدن وهو الزنا في السر ، واللَّه تعالى حرّمهما في هذه الآية وأباح التمتع بالمرأة على جهة الإحصان وهو التزوج .
ثم قال تعالى :
وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أن المقصود منه الترغيب فيما تقدم من التكاليف والأحكام ، يعني ومن يكفر بشرائع اللَّه وبتكاليفه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة ، والثاني : قال القفال : المعنى أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم في الدنيا فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلا أن ذلك لا يفرق بينهم وبين المشركين في أحوال الآخرة وفي الثواب والعقاب ، بل كل من كفر باللَّه فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة البتة .
المسألة الثانية : قوله
وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ
فيه إشكال ، وهو أن الكفر إنما / يعقل باللَّه ورسوله ، فأما الكفر بالإيمان فهو محال ، فلهذا السبب اختلف المفسرون على وجوه : الأول : قال ابن عباس ومجاهد
وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ
أي ومن يكفر باللَّه ، إنما حسن هذا المجاز لأنه تعالى رب الإيمان ، ورب الشيء قد يسمى باسم ذلك الشيء على سبيل المجاز . والثاني : قال الكلبي
وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ
أي بشهادة أن لا إله