الجنة ، فحينئذ لا يكون هذا النسل من أولاد آدم فقط ، وذلك بالإجماع باطل . وذكر العلماء أن السبب لهذا التحريم : أن الوطء إذلال وإهانة ، فان الإنسان يستحي من ذكره ولا يقدم عليه إلا في الموضع الخالي ، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره ، وإذا كان الأمر كذلك وجب صون الأمهات عنه لأن إنعام الأم على الولد أعظم وجوه الانعام ، فوجب صونها عن هذا الإذلال ، والبنت بمنزلة جزء من الإنسان وبعض منه ،
قال عليه الصلاة والسلام : « فاطمة بضعة مني »
فيجب صونها عن هذا الإذلال ، لأن المباشرة معها تجري مجرى الإذلال ، وكذا القول في البقية واللَّه أعلم . ولنشرع الآن في التفاصيل فنقول :
النوع الأول : من المحرمات : الأمهات ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه اللَّه : الأمهات جمع الأم والأم في الأصل أمهة فأسقط الهاء في التوحيد قال الشاعر :
أمهتى خندف والياس أبي
وقد تجمع الأم على أمات بغير هاء وأكثر ما يستعمل في الحيوان غير الآدمي قال الراعي :
/ كانت نجائب منذر ومحرق * أماتهن وطرقهن فحيلا
المسألة الثانية : كل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات ، بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك . ثم هاهنا بحث وهو أن لفظ الأم لا شك أنه حقيقة في الأم الأصلية ، فإما في الجدات فإما ان يكون حقيقة أو مجازا ، فإن كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصيلة وفي الجدات ، فاما أن يكون لفظا متواطئا أو مشتركا ، فإن كان لفظا متواطئا أعني أن يكون لفظ الأم موضوعا بإزاء قدر مشترك بين الأم الأصلية وبين سائر الجدات فعلى هذا التقدير يكون قوله تعالى :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
نصا في تحريم الأم الأصلية وفي تحريم جميع الجدات ، وأما إن كان لفظ الام مشتركا في الأم الأصلية وفي الجدات ، فهذا يتفرع على أن اللفظ المشترك بين أمرين هل يجوز استعماله فيهما معا أم لا ؟ فمن جوزه حمل اللفظ هاهنا على الكل ، وحينئذ يكون تحريم الجدات منصوصا عليه ، ومن قال : لا يجوز ، فالقائلون بذلك لهم طريقا في هذا الموضع : أحدهما : أن لفظ الأم لا شك أنه أريد به هاهنا الأم الأصلية ، فتحريم نكاحها مستفاد من هذا الوجه ، وأما تحريم نكاح الجدات فغير مستفاد من هذا النص ، بل من الإجماع . والثاني : أنه تعالى تكلم بهذه الآية مرتين ، يريد في كل مرة مفهوما آخر ، أما إذا قلنا : لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية ، مجاز في الجدات ، فقد ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد دفعة واحدة في حقيقته ومجازه معا ، وحينئذ يرجع الطريقان اللذان ذكرناهما فيما إذا كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية ، وفي الجدات .
المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه اللَّه : إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها يلزمه الحد ، وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه لا يلزمه . حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة ، فكان هذا الوطء زنا محضا فيلزمه الحد لقوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
[ النور : 2 ] إنما قلنا : إن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة لأنه تعالى قال :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
وقد علم بالضرورة من دين محمد عليه الصلاة والسلام أن مراد اللَّه تعالى من هذه الآية : تحريم نكاحها وإذا ثبت هذا فنقول : الموجود ليس إلا صيغة الإيجاب والقبول ، فلو حصل هذا الانعقاد ، فإما أن يقال : إنه حصل في الحقيقة أو في حكم الشرع والأول