وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : انه تعالى لما قال قبل هذه الآية :
أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ
[ النساء : 88 ] وكان ذلك استفهاما على سبيل الإنكار قرر ذلك الاستبعاد بأن قال : انهم بلغوا في الكفر إلى أنهم يتمنون أن تصيروا أيها المسلمون كفارا ، فلما بلغوا في تعصبهم في الكفر إلى هذا الحد فكيف تطمعون في ايمانهم .
المسألة الثانية : قوله :
فَتَكُونُونَ سَواءً
رفع بالنسق على
تَكْفُرُونَ
والمعنى : ودوا لو / تكونون ، والفاء عاطفة ولا يجوز أن يجعل ذلك جواب التمني ، ولو أراد ذلك على تأويل إذا كفروا استووا لكان نصبا ، ومثله قوله :
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
[ القلم : 9 ] ولو قيل : ( فيدهنوا ) على الجواب لكان ذلك جائزا في الاعراب ، ومثله قوله :
وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ
[ النساء : 102 ] ومعنى قوله :
فَتَكُونُونَ سَواءً
أي في الكفر ، والمراد فتكونون أنتم وهم سواء الا أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لوضوح المعنى بسبب تقدم ذكرهم ، واعلم أنه تعالى لما شرح للمؤمنين كفرهم وشدة غلوهم في ذلك الكفر ، فبعد ذلك شرح للمؤمنين كيفية المخالطة معهم فقال :
فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والإلحاد ، وهذا متأكد بعموم قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ
والسبب فيه أن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين ، لأن ذلك هو الأمر الذي به يتقرب إلى اللَّه تعالى ، ويتوسل به إلى طلب السعادة في الآخرة ، وإذا كان كذلك كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة ، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه واللَّه أعلم .
المسألة الثانية : قوله :
فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا
قال أبو بكر الرازي : التقدير حتى يسلموا ويهاجروا ، لأن الهجرة في سبيل اللَّه لا تكون إلا بعد الإسلام ، فقد دلت الآية على إيجاب الهجرة بعد الإسلام ، وانهم وإن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة ، ونظيره قوله :
ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا
[ الأنفال : 72 ] .
واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة
قال صلى اللَّه عليه وسلم : « أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك »
فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة ، ثم نسخ فرض الهجرة .
عن طاوس عن ابن عباس قال : قال رسول صلى اللَّه عليه وسلم يوم فتح مكة « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية »
وروي عن الحسن أن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائما .
المسألة الثالثة : اعلم أن الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الايمان ، وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين ،
قال صلى اللَّه عليه وسلم : « المهاجر من هجر ما نهى اللَّه عنه »
وقال المحققون :
الهجرة في سبيل اللَّه عبارة عن الهجرة عن ترك مأموراته / وفعل منهياته ، ولما كان كل هذه الأمور معتبرا لا