تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
الفرع الرابع : دلت الآية على أن من أثبت الحكم في صورة بالقياس فلا بد وأن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالنص ، ولا يجوز أن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالقياس لأن قوله :
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
ظاهره مشعر بأنه يجب رده إلى الحكم الذي ثبت بنص اللَّه ونص رسوله . الفرع الخامس : دلت الآية على أن القياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالقرآن ، والقياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالسنة إذا تعارضا كان القياس على القرآن مقدما على القياس على الخبر لأنه تعالى قدم الكتاب على السنة في قوله :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وفي قوله :
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
وكذلك في خبر معاذ . الفرع السادس : دلت الآية على أنه إذا تعارض قياسان أحدهما تأيد بإيماء في كتاب اللَّه والآخر تأيد بإيماء خبر من أخبار رسول اللَّه ، فإن الأول مقدم على الثاني ، يعني كما ذكرناه في الفرع الخامس ، فهذه المسائل الأصولية استنبطناها من هذه الآية في أقل من ساعتين ، ولعل الإنسان إذا استعمل الفكر على الاستقصاء أمكنه استنباط أكثر مسائل أصول الفقه من هذه الآية . المسألة الثالثة عشرة : قوله :
وَأُولِي الْأَمْرِ
معناه ذوو الأمر وأولو جمع ، وواحده ذو على غير القياس ، كالنساء والإبل والخيل ، كلها أسماء للجمع ولا واحد له في اللفظ . المسألة الرابعة عشرة : قوله :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ
قال الزجاج : اختلفتم وقال كل فريق : القول قولي واشتقاق المنازعة من النزع الذي هو الجذب ، والمنازعة عبارة عن مجاذبة كل واحد من الخصمين لحجة مصححة لقوله ، أو محاولة جذب قوله ونزعه إياه عما يفسده . ثم قال تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
وفيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا الوعيد يحتمل أن يكون عائدا إلى قوله :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وإلى قوله :
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
واللَّه أعلم . المسألة الثانية : ظاهر قوله :
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
يقتضي أن من لم يطع اللَّه والرسول لا يكون مؤمنا ، وهذا يقتضي أن يخرج المذنب عن الايمان لكنه محمول على التهديد . ثم قال تعالى :
ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
أي ذلك الذي أمرتكم به في هذه الآية خير لكم وأحسن عاقبة لكم لأن التأويل عبارة عما اليه مآل الشيء ومرجعه وعاقبته .

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 60 إلى 61 ]

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ( 60 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ( 61 ) [ في قوله تعالى
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
إلى قوله تعالى
ضَلالًا بَعِيداً
] اعلم أنه تعالى لما أوجب في الآية الأولى على جميع المكلفين أن يطيعوا اللَّه ويطيعوا الرسول ذكر في
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 119 | فخر الدين الرازي