تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أنه تعالى سميع للأقوال ، ونظيره قوله تعالى :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ
[ المجادلة : 1 ] . المسألة الثالثة : ظاهر الآية يدل على أن قائل هذا القول كانوا جماعة ، لأنه تعالى قال :
الَّذِينَ قالُوا
وظاهر هذا القول يفيد الجميع . وأما ما روي أن قائل هذا القول هو فنحاص اليهودي ، فهذا يدل على أن غيره لم يقل ذلك ، فلما شهد الكتاب أن القائلين كانوا جماعة وجب القطع بذلك . ثم قال تعالى :
سَنَكْتُبُ ما قالُوا
وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة سيكتب بالياء وضمها على ما لم يسم فاعله وقتلهم الأنبياء برفع اللام على معنى سيكتب قتلهم ، والباقون بالنون وفتح اللام إضافة اليه تعالى . قال صاحب « الكشاف » : وقرأ الحسن والأعرج سيكتب بالياء وتسمية الفاعل . المسألة الثانية : هذا وعيد على ذلك القول وهو يحتمل وجوها . أحدها : أن يكون المراد من كتبه عليهم إثبات ذلك عليهم وأن لا يلغى ولا يطرح ، وذلك لأن الناس إذا أرادوا إثبات الشيء على وجه لا يزول ولا ينسى ولا يتغير كتبوه ، واللّه تعالى جعل الكتبة مجازا عن إثبات حكم ذلك عليهم . الثاني : سنكتب ما قالوا في الكتب التي تكتب فيها أعمالهم ليقرؤا ذلك في جرائد أعمالهم يوم القيامة ، والثالث : عندي فيه احتمال آخر ، وهو أن المراد : سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يعلم الخلق إلى يوم القيامة شدة تعنت هؤلاء وجهلهم وجهدهم في الطعن في نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم بكل ما قدروا عليه . ثم قال :
وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
أي ونكتب قتلهم الأنبياء بغير حق ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الفائدة في ضم أنهم قتلوا الأنبياء إلى أنهم وصفوا اللّه تعالى بالفقر ، هي بيان أن جهل هؤلاء ليس مخصوصا بهذا الوقت ، بل هم منذ كانوا ، مصرون على الجهالات والحماقات . المسألة الثانية : في إضافة قتل الأنبياء إلى هؤلاء وجهان : أحدهما : سنكتب ما قال هؤلاء ونكتب ما فعله أسلافهم فنجازي الفريقين بما هو أهله ، كقوله تعالى :
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً
أي قتلها أسلافكم
وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
[ البقرة : 49 ]
وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ
[ البقرة : 50 ] والفاعل لهذه الأشياء هو أسلافهم ، والمعنى أنه سيحفظ على الفريقين معا أقوالهم وأفعالهم . والوجه الثاني : سنكتب على هؤلاء ما قالوا بأنفسهم ، ونكتب عليهم رضاهم بقتل آبائهم / الأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين . وعن الشعبي أن رجلا ذكر عنده عثمان رضي اللّه عنه وحسن قتله ، فقال الشعبي : صرت شريكا في دمه ، ثم قرأ الشعبي
قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ
[ آل عمران : 183 ] فنسب لهؤلاء قتلهم وكان بينهما قريب من سبعمائة سنة . ثم قال تعالى :
وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة سيكتب على لفظ ما لم يسم فاعله
وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ
برفع اللام
وَيَقُولُ ذُوقُوا
بالياء المنقطة من تحت ، والباقون
سَنَكْتُبُ
و
نَقُولُ
بالنون . المسألة الثانية : المراد أنه تعالى ينتقم من هذا القائل بأن يقول له ذق عذاب الحريق ، كما أذقت المسلمين الغصص ، والحريق هو المحرق كالأليم بمعنى المؤلم .