المسألة الأولى : قرأ حمزة ولا تحسبن بالتاء والباقون بالياء ، أما قراءة حمزة بالتاء المنقطة من فوق فقال الزجاج : معناه ولا تحسبن بخل الذين يبخلون خيرا لهم ، فحذف المضاف لدلالة يبخلون عليه ، وأما من قرأ بالياء المنقطة من تحت ففيه وجهان : الأول : أن يكون فاعل
يَحْسَبَنَّ
ضمير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو ضمير أحد ، والتقدير : ولا يحسبن رسول اللّه أو لا يحسبن أحد بخل الذين يبخلون خيراً لهم . الثاني : أن يكون فاعل
يَحْسَبَنَّ
هم الذين يبخلون ، وعلى هذا التقدير يكون المفعول محذوفا ، وتقديره : ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خيراً لهم ، وانما جاز حذفه لدلالة يبخلون عليه ، كقوله : من كذب كان شرًّا له ، أي الكذب ، ومثله :
إذا نهى السفيه جرى إليه
أي السفه وأنشد الفراء
هم الملوك وأبناء الملوك هم * والآخذون به والسادة الأول
فقوله به : يريد بالملك ولكنه اكتفى عنه بذكر الملوك .
المسألة الثانية : هو في قوله :
هُوَ خَيْراً لَهُمْ
تسميه البصريون فصلا ، والكوفيون عماداً ، وذلك لأنه لما ذكر « يبخلون » فهو بمنزلة ما إذا ذكر البخل ، فكأنه قيل : ولا يحسبن الذين يبخلون البخل خيرا لهم ، وتحقيق القول فيه أن للمبتدأ حقيقة ، وللخبر حقيقة ، وكون حقيقة المبتدأ موصوفا بحقيقة الخبر أمر زائد على حقيقة المبتدأ وحقيقة الخبر ، فإذا كانت هذه الموصوفية أمرا زائدا على الذاتين فلا بد من صيغة ثالثة دالة على هذه الموصوفية وهي كلمة « هو » .
المسألة الثالثة : اعلم أن الآية دالة على ذم البخل بشيء من الخيرات والمنافع ، وذلك الخير يحتمل أن يكون مالا ، وأن يكون علما .
فالقول الأول : ان هذا الوعيد ورد على البخل بالمال ، والمعنى : لا يتوهمن هؤلاء البخلاء أن بخلهم هو خير لهم ، بل هو شر لهم ، وذلك لأنه يبقى عقاب بخلهم عليهم ، وهو المراد من قوله :
سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
مع أنه لا تبقى تلك الأموال عليهم وهذا هو المراد بقوله :
وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
.
والقول الثاني : أن المراد من هذا البخل : البخل بالعلم ، وذلك لأن اليهود كانوا يكتمون نعت محمد صلى اللّه عليه وسلم وصفته ، فكان ذلك الكتمان بخلا ، يقال فلان يبخل بعلمه ، ولا شك أن العلم فضل من اللّه تعالى قال اللّه تعالى :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
[ النساء : 113 ] ثم إنه تعالى علم اليهود والنصارى ما في التوراة والإنجيل ، فإذا كتموا ما في هذين الكتابين من البشارة بمبعث محمد صلى اللّه عليه وسلم كان ذلك بخلا .
واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه تعالى قال :
سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ
ولو فسرنا الآية بالعلم احتجنا إلى تحمل المجاز في تفسير هذه الآية ، ولو فسرناها بالمال لم نحتج إلى المجاز فكان هذا أولى . الثاني : أنا لو حملنا هذه الآية على المال كان ذلك ترغيبا في بذل المال في الجهاد فحينئذ يحصل لهذه الآية مع ما قبلها نظم حسن ، ولو حملناها على أن اليهود كتموا ما عرفوه من التوراة انقطع النظم ، إلا على سبيل التكلف ، فكان الأول أولى .