واعلم أن للعلماء هاهنا طريقين : الأول : أن هذا ليس بشرط ، بل المعنى ، ولقد صدقكم اللّه وعده حتى إذا فشلتم ، أي قد نصركم إلى أن كان منكم الفشل والتنازع ، لأنه تعالى كان إنما وعدهم بالنصرة بشرط التقوى والصبر على الطاعة ، فلما فشلوا وعصوا انتهى النصر ، وعلى هذا القول تكون كلمة
حَتَّى
غاية بمعنى « إلى » فيكون معنى قوله :
حَتَّى إِذا
إلى أن ، أو إلى حين .
الطريق الثاني : أن يساعد على أن قوله :
حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ
شرط ، وعلى هذا القول اختلفوا في الجواب على وجوه : الأول : وهو قول البصريين أن جوابه محذوف ، والتقدير : حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منعكم اللّه نصره ، وإنما حسن حذف هذا الجواب لدلالة قوله :
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ
عليه ، ونظائره في القرآن كثيرة ، قال تعالى :
فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ
[ الأنعام : 35 ] والتقدير : فافعل ، ثم أسقط هذا الجواب لدلالة هذا الكلام عليه ، وقال :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ
[ الزمر : 9 ] والتقدير : أم من هو قانت كمن لا يكون كذلك ؟
الوجه الثاني : وهو مذهب الكوفيين واختيار الفراء أن جوابه هو قوله :
وَعَصَيْتُمْ
والواو زائدة كما قال :
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنادَيْناهُ
[ الصافات : 103 - 104 ] والمعنى ناديناه ، كذا هاهنا ، الفشل والتنازع صار موجباً للعصيان ، فكان التقدير حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر عصيتم ، فالواو زائدة ، وبعض / من نصر هذا القول زعم أن من مذهب العرب إدخال الواو في جواب
حَتَّى إِذا
بدليل قوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها
[ الزمر : 1 [ الزمر : 71 ] والتقدير : أم من هو قانت كمن لا يكون كذلك ؟
الوجه الثاني : وهو مذهب الكوفيين واختيار الفراء أن جوابه هو قوله :
وَعَصَيْتُمْ
والواو زائدة كما قال :
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنادَيْناهُ
[ الصافات : 103 - 104 ] والمعنى ناديناه ، كذا هاهنا ، الفشل والتنازع صار موجبا للعصيان ، فكان التقدير حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر عصيتم ، فالواو زائدة ، وبعض / من نصر هذا القول زعم أن من مذهب العرب إدخال الواو في جواب « حتى إذا » بدليل قوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها
[ الزمر : 71 ] والتقدير حتى إذا جاؤها فتحت لهم أبوابها .
فان قيل : إن فشلتم وتنازعتم معصية ، فلو جعلنا الفشل والتنازع علة للمعصية لزم كون الشيء علة لنفسه وذلك فاسد .
قلنا : المراد من العصيان هاهنا خروجهم عن ذلك المكان ، ولا شك أن الفشل والتنازع هو الذي أوجب خروجهم عن ذلك المكان ، فلم يلزم تعليل الشيء بنفسه .
واعلم أن البصريين إنما لم يقبلوا هذا الجواب لأن مذهبهم أنه لا يجوز جعل الواو زائدة .
الوجه الثالث في الجواب : أن يقال تقدير الآية : حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ، صرتم فريقين ، منكم من يريد الدنيا ، ومنكم من يريد الآخرة .
فالجواب : هو قوله : صرتم فريقين ، إلا أنه أسقط لأن قوله :
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
يفيد فائدته ويؤدي معناه ، لأن كلمة « من » للتبعيض فهي تفيد هذا الانقسام ، وهذا احتمال خطر ببالي .
الوجه الرابع : قال أبو مسلم : جواب قوله :
حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ
هو قوله :
صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
والتقدير حتى إذا فشلتم وكذا وكذا صرفكم عنهم ليبتليكم وكلمة « ثم » هاهنا كالساقطة وهذا الوجه في غاية البعد . واللّه أعلم .
المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر أمورا ثلاثة : أولها : الفشل وهو الضعيف ، وقيل الفشل هو الجبن ، وهذا باطل بدليل قوله تعالى :
وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا
[ الأنفال : 46 ] أي فتضعفوا ، لأنه لا يليق به أن يكون المعنى فتجبنوا . ثانيها : التنازع في الأمر وفيه بحثان .
البحث الأول : المراد من التنازع أنه عليه الصلاة والسلام أمر الرماة بأن لا يبرحوا عن مكانهم البتة ،