وأما أسباب التوارث في الإسلام ، فقد ذكرنا أن في أول الأمر قرر الحلف والتبني ، وزاد فيه أمرين آخرين : أحدهما : الهجرة ، فكان المهاجر يرث من المهاجر . وان كان أجنبيا عنه ، إذا كان كل واحد منهما مختصا بالآخر بمزيد المخالطة والمخالصة ، ولا يرثه غير المهاجر ، وإن كان من أقاربه . والثاني : المؤاخاة ، كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يؤاخي بين كل اثنين منهم ، وكان ذلك سببا للتوارث ، ثم إنه تعالى نسخ كل هذه الأسباب بقوله :
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ *
[ الأحزاب : 6 ] والذي تقرر عليه دين الإسلام أن أسباب التوريث ثلاثة : النسب ، والنكاح ، والولاء .
المسألة الثانية : روى عطاء قال : استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين وامرأة وأخا ، فأخذ / الأخ المال كله ، فأتت المرأة وقالت يا رسول اللّه هاتان ابنتا سعد ، وإن سعدا قتل وان عمهما أخذ مالهما ،
فقال عليه الصلاة والسلام : « ارجعي فلعل اللّه سيقضي فيه » ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية ، فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمهما وقال : « أعط ابنتي سعد الثلثين ، وأمهما الثمن وما بقي فهو لك ،
فهذا أول ميراث قسم في الإسلام .
المسألة الثالثة : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه تعالى لما بين الحكم في مال الأيتام ، وما على الأولياء فيه ، بين كيف يملك هذا اليتيم المال بالإرث ، ولم يكن ذلك إلا ببيان جملة أحكام الميراث ، الثاني : أنه تعالى أثبت حكم الميراث بالإجمال في قوله :
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ
[ النساء : 7 ] فذكر عقيب ذلك المجمل ، هذا المفصل فقال :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
.
المسألة الرابعة : قال القفال : قوله :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
أي يقول اللّه لكم قولا يوصلكم إلى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم ، وأصل الإيصاء هو الإيصال يقال : وصى يصي إذا وصل ، وأوصى يوصي إذا أوصل ، فإذا قيل : أوصاني فمعناه أوصلني إلى علم ما أحتاج إلى علمه ، وكذلك وصى وهو على المبالغة قال الزجاج : معنى قوله هاهنا :
يُوصِيكُمُ
أي يفرض عليكم ، لأن الوصية من اللّه إيجاب والدليل عليه قوله :
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ
ولا شك في كون ذلك واجبا علينا .
فان قيل : انه لا يقال في اللغة أوصيك لكذا فكيف قال هاهنا :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
.
قلنا : لما كانت الوصية قولا ، لا جرم ذكر بعد قوله :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ
خبرا مستأنفا وقال :
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
ونظيره قوله تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً
[ الفتح :
29 ] أي قال اللّه : لهم مغفرة لأن الوعد قول .
المسألة الخامسة : اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد وإنما فعل ذلك لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات ، ولذلك
قال عليه الصلاة والسلام : « فاطمة بضعة مني »
فلهذا السبب قدم اللّه ذكر ميراثهم .
واعلم أن للأولاد حال انفراد ، وحال اجتماع مع الوالدين : أما حال الانفراد فثلاثة ، وذلك لأن الميت إما أن يخلف الذكور والإناث معا ، وإما أن يخلف الإناث فقط ، أو الذكور فقط .
القسم الأول : ما إذا خلف الذكران والإناث معا ، وقد بين اللّه الحكم فيه بقوله :
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
.