تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
والقول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني : أن المراد من قوله :
وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها
أي من جنسها وهو كقوله تعالى :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً
[ النحل : 72 ] وكقوله :
إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ
[ آل عمران : 164 ] وقوله :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[ التوبة : 128 ] قال القاضي : والقول الأول أقوى ، لكي يصح قوله :
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين ، لا من نفس واحدة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن كلمة « من » لابتداء الغاية ، فلما كان ابتداء التخليق والإيجاد وقع بآدم عليه السلام صح أن يقال : خلقكم من نفس واحدة ، وأيضا فلما ثبت أنه تعالى قادر على خلق آدم من التراب كان قادرا أيضا على خلق حواء من التراب ، وإذا كان الأمر كذلك ، فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم . المسألة الثانية : قال ابن عباس : إنما سمي آدم بهذا الاسم لأنه تعالى خلقه من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها ؛ فلذلك كان في ولده الأحمر والأسود والطيب والخبيث والمرأة إنما سميت بحواء لأنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم فكانت مخلوقة من شيء حي ، فلا جرم سميت بحواء . المسألة الثالثة : احتج جمع من الطبائعيين بهذه الآية فقالوا : قوله تعالى :
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
يدل على أن الخلق كلهم مخلوقون من النفس الواحدة ، وقوله :
وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها
يدل على أن زوجها مخلوقة منها ، ثم قال في صفة آدم :
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
[ آل عمران : 59 ] فدل على أن آدم مخلوق من التراب ، ثم قال في حق الخلائق :
مِنْها خَلَقْناكُمْ
[ طه : 55 ] وهذه الآيات كلها دالة على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة يصير الشيء مخلوقا منها ، وأن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال . أجاب المتكلمون فقالوا : خلق الشيء من الشيء محال في العقول ، لأن هذا المخلوق ان كان عين ذلك الشيء الذي كان موجودا قبل ذلك لم يكن هذا مخلوقا البتة ، وإذا لم يكن مخلوقا امتنع كونه مخلوقا من شيء آخر ، وان قلنا : ان هذا المخلوق مغاير للذي كان موجوداً قبل ذلك ، فحينئذ هذا المخلوق وهذا المحدث إنما حدث وحصل عن العدم المحض ، فثبت أن كون الشيء مخلوقا من / غيره محال في العقول ، وأما كلمة ( من ) في هذه الآية فهو مفيد ابتداء الغاية ، على معنى أن ابتداء حدوث هذه الأشياء من تلك الأشياء لا على وجه الحاجة والافتقار ، بل على وجه الوقوع فقط . المسألة الرابعة : قال صاحب « الكشاف » : قرئ وخالق منها زوجها وبث منهما بلفظ اسم الفاعل ، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هو خالق . قوله تعالى :
وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً
. وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : بث منهما : يريد فرق ونشر ، قال ابن المظفر : البث تفريقك الأشياء ، يقال : بث الخيل في الغارة وبث الصياد كلابه ، وخلق اللّه الخلق فبثهم في الأرض ، وبثثت البسط إذا نشرتها ، قال اللّه تعالى :
وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ
[ الغاشية : 16 ] قال الفراء والزجاج : وبعض العرب يقول : أبث اللّه الخلق . المسألة الثانية : لم يقل : وبث منهما الرجال والنساء لأن ذلك يوجب كونهما مبثوثين عن نفسهما وذلك محال ، فلهذا عدل عن هذا اللفظ إلى قوله :
وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً
.