تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
الوجه الثاني : في بيان أن هذه الآية لا يمكن أن تكون دالة على ما ذكروه لما بينا أن ما قبل هذه الآية يدل على المنع مما ذكروه من وجهين أحدهما : قوله :
قُلْ هُوَ أَذىً
[ البقرة : 222 ] والثاني : قوله :
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
فلو دلت هذه الآية على التجويز لكان ذلك جمعا بين ما يدل على التحريم وبين ما يدل على التحليل في موضع واحد ، والأصل أنه لا يجوز . الوجه الثالث : الروايات المشهورة في أن سبب نزول هذه الآية اختلافهم في أنه هل يجوز إتيانها من دبرها في قبلها ، وسبب نزول الآية لا يكون خارجا عن الآية فوجب كون الآية متناولة لهذه الصورة ، ومتى حملناها على هذه الصورة لم يكن بنا حاجة إلى حملها على الصورة الأخرى فثبت بهذه الوجوه أن المراد من الآية ليس ما ذكروه ، وعند هذا نبحث عن الوجوه التي تمسكوا بها على التفصيل . أما الوجه الأول : فقد بينا أن قوله :
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
معناه : فاتوا موضع الحرث . وأما الثاني : فإنه لما كان المراد بالحرث في قوله :
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
ذلك الموضع المعين لم يكن حمل
أَنَّى شِئْتُمْ
على التخيير في مكان ، وعند هذا يضمر فيه زيادة ، وهي أن يكون المراد من
أَنَّى شِئْتُمْ
فيضمر لفظة : من ، لا يقال ليس حمل لفظ الحرث على حقيقته ، والتزام هذا الإضمار أولى من حمل لفظ الحرث على المرأة على سبيل المجاز ، حتى لا يلزمنا هذا الإضمار لأن نقول : بل هذا أولى ، لأن الأصل في الأبضاع الحرمة . وأما الثالث : فجوابه : أن قوله :
إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ *
[ المؤمنون : 6 ] عام ، ودلائلنا خاصة ، والخاص مقدم على العام . وأما الرابع : فجوابه : أن قوله : دبرك عليّ حرام ، إنما صلح أن يكون كناية عن الطلاق ، لأنه محل لحل الملابسة والمضاجعة ، فصار ذلك كقوله : يدك طالق ، واللّه أعلم . المسألة الرابعة : اختلف المفسرون في تفسير قوله :
أَنَّى شِئْتُمْ
والمشهور ما ذكرناه أنه يجوز للزوج أن يأتيها من قبلها في قبلها ، ومن دبرها في قبلها والثاني : أن المعنى : أي وقت شئتم من أوقات الحل : يعني إذا لم تكن أجنبية ، أو محرمة ، أو صائمة ، أو حائضا والثالث : أنه يجوز للرجل أن ينكحها قائمة أو باركة ، أو مضطجعة ، بعد أن يكون في الفرج الرابع : قال ابن عباس : المعنى إن شاء ، وإن شاء لم يعزل ، وهو منقول عن سعيد بن المسيب الخامس : متى شئتم من ليل أو نهار . فإن قيل : فما المختار من هذه الأقاويل ؟ . قلنا : قد ظهر عن المفسرين أن سبب نزول هذه الآية هو أن اليهود كانوا يقولون : من أتى / المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول ، فأنزل اللّه تعالى هذا لتكذيب قولهم ، فكان الأولى حمل اللفظ عليه ، وأما الأوقات فلا مدخل لها في هذا الباب ، لأن « أنى » يكون بمعنى متى ويكون بمعنى كيف وأما العزل وخلافه فلا يدخل تحت « أنى » لأن حال الجماع لا يختلف بذلك ، فلا وجه لحمل الكلام إلا على ما قلنا . أما قوله :
وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ
فمعناه : افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة ونظيره أن يقول الرجل لغيره : قدم لنفسك عملا صالحا ، وهو كقوله :
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
[ البقرة : 197 ] ونظير لفظ