فإذا أدخلت عليه : ما ، كان ذلك نفيا للنفي فيكون دليلا على الثبوت الدائم .
المسألة الثانية : قوله :
حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ
أي إلى أن يردوكم وقيل المعنى : ليردوكم .
المسألة الثالثة : قوله :
إِنِ اسْتَطاعُوا
استبعاد لاستطاعتهم ، كقول الرجل لعدوه : إن ظفرت بي فلا تبق عليّ وهو واثق بأنه لا يظفر به .
ثم قال تعالى :
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي قوله :
وَمَنْ يَرْتَدِدْ
أظهر التضعيف مع الجزم لسكون الحرف الثاني :
وهو أكثر في اللغة من الإدغام ، وقوله :
فَيَمُتْ
هو جزم بالعطف على
يَرْتَدِدْ
وجوابه
فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ
.
المسألة الثانية : لما بين تعالى أن غرضهم من تلك المقاتلة هو أن يرتد المسلمون عن دينهم ، ذكر بعده وعيدا شديدا على الردة ، فقال :
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
واستوجب العذاب الدائم في النار .
المسألة الثالثة : ظاهر الآية يقتضي أن الارتداد إنما يتفرع عليه الأحكام المذكورة إذا مات المرتد على الكفر ، أما إذا أسلم بعد الردة لم يثبت شيء من هذه الأحكام ، وقد تفرع على هذه النكتة بحث أصولي وبحث فروعي ، أما البحث الأصولي فهو أن جماعة من المتكلمين زعموا أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة ، فالإيمان لا يكون إيمانا إلا إذا مات المؤمن عليه والكفر لا يكون كفرا إلا إذا مات الكافر عليه ، قالوا : لأن من كان مؤمنا ثم ارتد والعياذ باللّه فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيمانا في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي ، ثم بعد كفره يستحق العقاب الأبدي فإما أن يبقى الاستحقاقان وهو محال ، وإما أن يقال : إن الطارئ يزيل السابق وهذا محال لوجوه أحدها : أن المنافاة حاصلة بين السابق والطارئ ، فليس كون الطارئ مزيلا للسابق أولى من كون السابق دافعا للطارئ ، بل الثاني أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وثانيها : أن المنافاة إذا كانت حاصلة من الجانبين ، كان شرط طريان الطارئ زوال السابق فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارئ لزم الدور وهو محال وثالثها : أن ثواب الإيمان السابق وعقاب الكفر الطارئ ، إما أن يكونا متساويين أو يكون أحدهما أزيد من الآخر ، فإن تساويا وجب أن يتحابط كل واحد منهما بالآخر ، فحينئذ يبقى المكلف لا من أهل الثواب ولا من أهل العقاب وهو باطل بالإجماع ، وإن ازداد أحدهما على الآخر ، فلنفرض أن السابق أزيد ، فعند طريان الطارئ لا يزول إلا ما يساويه ، فحينئذ يزول بعض الاستحقاقات دون البعض مع كونها متساوية في الماهية ، فيكون ذلك ترجيحا من غير مرجح وهو محال ، لنفرض أن السابق أقل فحينئذ إما أن يكون الطارئ الزائد ، يكون جملة أجزائه مؤثرة في إزالة السابق فحينئذ يجمع على الأثر الواحد مؤثرات يكون مستقلة وهو محال ، وإما أن يكون المؤثر في إزالة السابق بعض أجزاء الطارئ دون البعض ، وحينئذ يكون اختصاص ذلك البعض بالمؤثرية ترجيحا للمثل من غير مرجح وهو محال ، فثبت بما ذكرنا أنه إذا كان مؤمنا ثم كفر ، فذلك الإيمان السابق ، وإن كنا نظنه إيمانا إلا أنه ما كان عند اللّه إيمانا ، فظهر أن الموافاة شرط لكون الإيمان إيمانا ، والكفر كفرا ، وهذا هو الذي دلت الآية عليه ، فإنها دلت على أن