تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥

الجزء السادس

[ تتمة سورة البقرة ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 211 ]

سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 211 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى :
سَلْ
كان في الأصل اسأل فتركت الهمزة التي هي عين الفعل لكثرة الدور في الكلام تخفيفا ، ونقلت حركتها إلى الساكن الذي قبلها ، وعند هذا التصريف استغنى عن ألف الوصل ، وقال قطرب : يقال سأل يسأل مثل زأر الأسد يزأر ، وسال يسال ، مثل خاف يخاف ، والأمر فيه : سل مثل خف ، وبهذا التقدير قرأ نافع وابن عامر
سَأَلَ سائِلٌ
على وزن قال ، وكال ، وقوله :
كَمْ
هو اسم مبني على السكون موضوع للعدد ، يقال إنه من تأليف كاف التشبيه مع ( ما ) ثم قصرت ( ما ) وسكنت الميم ، وبنيت على السكون لتضمنها حرف الاستفهام ، وهي تارة تستعمل في الخبر وتارة في الاستفهام وأكثر لغة العرب الجر به عند الخبر ، والنصب عند الاستفهام ، ومن العرب من ينصب به في الخبر ، ويجر به في الاستفهام ، وهي هاهنا يحتمل أن تكون استفهامية ، وأن تكون خبرية . المسألة الثانية : اعلم أنه ليس المقصود : سل بني إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات فتعلمها وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان عالما بتلك الأحوال بإعلام اللّه تعالى إياه ، بل المقصود منه المبالغة في الزجر عن الإعراض عن دلائل اللّه تعالى ، وبيان هذا الكلام أنه تعالى قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ، وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ
[ البقرة : 208 ] فأمر بالإسلام ونهى عن الكفر ، ثم قال :
فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ
أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف / صرتم مستحقين للتهديد بقوله :
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[ البقرة : 209 ] ثم بين ذلك التهديد بقوله :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ
[ البقرة : 210 ] ثم ثلث ذلك التهديد بقوله :
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ
يعني سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها ، لا جرم استوجبوا العقاب من اللّه تعالى ، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات اللّه لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون فيه ، والمقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم ، كما قال تعالى :
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
[ الحشر : 2 ] وقال :
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ
[ يوسف : 111 ] فهذا بيان وجه النظم . المسألة الثالثة : فرق أبو عمرو في « سل » بين الاتصال بواو وفاء وبين الاستئناف ، فقرأ
سَلْهُمْ
و
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ
بغير همزة
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ]
فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ
،
وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
[ النساء : 32 ] بالهمز ، وسوى الكسائي بين الكل ، وقرأ الكل بغير همز وجه الفرق الفرق أن التخفيف في