تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
هي صورة من زبرجد أو ياقوت لها رأس كرأس الهر ، وذنب كذنبه ، فإذا صاحت كصياح الهر ذهب التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا وقف وقفوا ونزل النصر . القول الرابع : وهو قول عمرو بن عبيد : إن السكينة التي كانت في التابوت شيء لا يعلم . واعلم أن السكينة عبارة عن الثبات والأمن ، وهو كقوله في قصة الغار :
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
[ الفتح : 26 ] فكذا قوله تعالى :
فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
معناه الأمن والسكون . واحتج القائلون بأنه حصل في التابوت شيء بوجهين الأول : أن قوله :
فِيهِ سَكِينَةٌ
يدل على كون التابوت ظرفا للسكينة والثاني : وهو أنه عطف عليه قوله :
وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى
فكما أن التابوت كان ظرفا للبقية وجب أن يكون ظرفا للسكينة . والجواب عن الأول : أن كلمة في كما تكون للظرفية فقد تكون للسببية قال عليه الصلاة والسلام : « في النفس المؤمنة مائة من الإبل » و قال : « في خمس من الإبل شاة » أي بسببه فقوله في هذه الآية :
فِيهِ سَكِينَةٌ
أي بسببه تحصل السكينة . والجواب عن الثاني : لا يبعد أن يكون المراد بقية مما ترك آل موسى وآل هارون من الدين والشريعة ، والمعنى أن بسبب هذا التابوت ينتظم أمر ما بقي من دينها وشريعتهما . وأما القائلون بأن المراد بالبقية شيء كان موضوعا في التابوت فقالوا : البقية هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم . أما قوله :
آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ
ففيه قولان الأول : قال بعض المفسرين يحتمل أن يكون المراد من آل موسى وآل هارون هو موسى وهارون أنفسهما ، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام لأبي موسى الأشعري : « لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود » وأراد به داود نفسه ، لأنه لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن مثل ما كان لداود عليه السلام . والقول الثاني : قال القفال رحمه اللّه : إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون ، لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت ، وما في التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون ، فيكون الآل هم الأتباع ، قال تعالى :
أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
[ غافر : 46 ] . وأما قوله :
تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ
فقد تقدم القول فيه . وأما قوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
فالمعنى أن هذه الآية معجزة باهرة إن كنتم ممن يؤمن بدلالة المعجزة على صدق المدعي . قوله تعالى :
فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ
فيه مسائل . المسألة الأولى : اعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها يظهر بتقدير محذوف يدل عليه باقي الكلام ، والتقدير أنه لما أتاهم بآية التابوت أذعنوا له ، وأجابوا إلى المسير تحت رايته . فلما فصل بهم أي فارق بهم حد بلده وانقطع عنه ، ومعنى الفصل القطع ، يقال : قول فصل ، إذا كان يقطع بين الحق والباطل وفصلت اللحم عن