باليد أو جعل كناية عن الوقاع ، وأيهما كان فقد وجد الطلاق قبله ، حجة أبي حنيفة قوله تعالى :
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً
[ النساء : 20 ] إلى قوله :
وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ
[ النساء : 21 ] وجه التمسك به من وجهين الأول : هو أنه تعالى نهى عن أخذ المهر ، ولم يفصل بين الطلاق وعدم الطلاق إلا أن توافقنا على أنه خص الطلاق قبل الخلوة ، / ومن ادعى التخصيص هاهنا فعليه البيان والثاني : أن اللّه تعالى نهى عن أخذ المهر وعلل بعلة الإفضاء ، وهي الخلوة ، والإفضاء مشتق من الفضاء ، وهو المكان الخالي ، فعلمنا أن الخلوة تقرر المهر .
وجوابنا عن ذلك أن الآية التي تمسكوا بها عامة ، والآية التي تمسكنا بها خاصة والخاص مقدم على العام واللّه أعلم .
المسألة الثانية : قوله :
وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً
حال من مفعول
طَلَّقْتُمُوهُنَّ
والتقدير : طلقتموهن حال ما فرضتم لهن فريضة .
أما قوله تعالى :
إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ
ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : إنما لم تسقط النون من
يَعْفُونَ
وإن دخلت عليه ( أن ) الناصبة للأفعال لأن
يَعْفُونَ
فعل النساء ، فاستوى فيه الرفع والنصب والجزم ، والنون في
يَعْفُونَ
إذا كان الفعل مسندا إلى النساء ضمير جمع المؤنث ، وإذا كان الفعل مسندا إلى الرجال فالنون علامة الرفع فلذلك لم تسقط النون التي هي ضمير جمع المؤنث ، كما لم تسقط الواو التي هي ضمير جمع المذكر ، والساقط في
يَعْفُونَ
إذا كان للرجال الواو التي هي لام الفعل في
يَعْفُونَ
لا الواو التي هي ضمير الجمع ، واللّه أعلم .
المسألة الثانية : المعنى : إلا أن يعفون المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر ، وتقول المرأة :
ما رآني ولا خدمته ، ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئا .
أما قوله تعالى :
أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ
ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في الآية قولان الأول :
أنه الزوج ، وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام ،
وسعيد بن المسيب ، وكثير من الصحابة والتابعين وهو قول أبي حنيفة .
والقول الثاني : أنه الولي ، وهو قول الحسن ، ومجاهد وعلقمة ، وهو قول أصحاب الشافعي .
حجة القول الأول وجوه الأول : أنه ليس للولي أن يهب مهر موليته صغيرة كانت أو كبيرة فلا يمكن حمل هذه الآية على الولي والثاني : أن الذي بيد الولي هو عقد النكاح ، فإذا عقد حصلت العقدة ، لأن بناء الفعلة يدل على المفعول ، كالأكلة واللقمة ، وأما المصدر فالعقد كالأكل واللقم ، ثم من المعلوم أن العقدة الحاصلة بعد العقد في يد الزوج لا في يد الولي والثالث : أن قوله تعالى :
الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ
معناه الذي بيده عقدة نكاح ثابت له لا لغيره ، كما أن قوله :
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
[ النازعات : 40 ] أي نهى النفس عن الهوى الثابت له لا لغيره ، كانت الجنة ثابتة له ، فتكون مأواه الرابع : ما روي عن جبير بن مطعم ، أنه تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل الصداق ، وقال : أنا أحق بالعفو ، وهذا يدل على أن الصحابة فهموا من الآية العفو الصادر من الزوج .