تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
أما قوله :
وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
ففيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في الآية وجوها أحدها : وابتغوا ما كتب اللّه لكم من الولد بالمباشرة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ، ولكن لابتغاء ما وضع اللّه له النكاح من التناسل قال عليه السلام : « تناكحوا تناسلوا تكثروا » وثانيها : أنه نهى عن العزل ، وقد رويت الأخبار في كراهية ذلك وقال الشافعي : لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها ولا بأس أن يعزل عن الأمة وروى عاصم عن زر بن حبيش عن علي رضي اللّه عنه أنه كان يكره العزل ، و عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم نهى أن يعزل عن الحرة إلا باذنها وثالثها : أن يكون المعنى : ابتغوا المحل الذي كتب اللّه لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم ونظيره قوله تعالى :
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
[ البقرة : 222 ] ورابعها : أن هذا التأكيد تقديره : فالآن باشروهن وابتغوا هذه المباشرة التي كتبها لكم بعد أن كانت محرمة عليكم وخامسها : وهو على قول أبي مسلم : فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب اللّه لكم ، يعني هذه المباشرة التي كان اللّه تعالى كتبها لكم وإن كنتم تظنوها محرمة عليكم وسادسها : أن مباشرة الزوجة قد تحرم في بعض الأوقات بسبب الحيض والنفاس والعدة والردة فقوله :
وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
يعني لا تباشروهن إلا في الأحوال والأوقات التي أذن لكم في مباشرتهن وسابعها : أن قوله :
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ
إذن في المباشرة وقوله :
وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
يعني لا تبتغوا هذه المباشرة إلا من الزوجة والمملوكة لأن ذلك هو الذي / كتب اللّه لكم بقوله :
إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ *
[ المؤمنون : 6 ] وثامنها : قال معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء : يعني اطلبوا ليلة القدر وما كتب اللّه لكم من الثواب فيها إن وجدتموها ، وجمهور المحققين استبعدوا هذا الوجه ، وعندي أنه لا بأس به ، وذلك هو أن الإنسان ما دام قلبه مشتغلا بطلب الشهوة واللذة ، لا يمكنه حينئذ أن يتفرغ للطاعة والعبودية والحضور ، أما إذا قضى وطره وصار فارغا من طلب الشهوة يمكنه حينئذ أن يتفرغ للعبودية ، فتقدير الآية : فالآن باشروهن حتى تتخلصوا من تلك الخواطر المانعة عن الإخلاص في العبودية ، وإذا تخلصتم منها فابتغوا ما كتب اللّه من الإخلاص في العبودية في الصلاة والذكر والتسبيح والتهليل وطلب ليلة القدر ، ولا شك أن هذه الرواية على هذا التقدير غير مستبعدة . المسألة الثانية :
كُتِبَ
فيه وجوه أحدها : أن
كُتِبَ
في هذا الموضوع بمعنى جعل ، كقوله :
كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ
[ المجادلة : 22 ] أي جعل ، وقوله :
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ *
[ آل عمران : 53 ]
فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
[ الأعراف : 156 ] أي اجعلها وثانيها : معناه قضى اللّه لكم كقوله :
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا
[ التوبة : 51 ] أي قضاه ، وقوله :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
[ المجادلة : 21 ] وقوله :
لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ
[ آل عمران : 154 ] أي قضى ، وثالثها : أصله هو ما كتب اللّه في اللوح المحفوظ مما هو كائن ، وكل حكم حكم به على عباده فقد أثبته في اللوح المحفوظ ورابعها : هو ما كتب اللّه في القرآن من إباحة هذه الأفعال . المسألة الثالثة : قرأ ابن عباس
وَابْتَغُوا
وقرأ الأعمش
وَابْتَغُوا
أما قوله :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
فالفائدة في ذكرهما أن تحريمهما وتحريم الجماع بالدليل بعد النوم ، لما تقدم احتيج في إباحة كل واحد منها إلى دليل خاص يزول به التحريم ، فلو اقتصر تعالى على قوله :
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ
لم يعلم بذلك زوال تحريم الأكل والشرب ، فقرن إلى ذلك قوله :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
لتتم الدلالة على الإباحة .