التوبة عن الذنوب ، وذلك لأن التائب يدعو اللّه تعالى عند التوبة ، وإجابة الدعاء بهذا التفسير عبارة عن قبول التوبة ، وعلى هذا الوجه أيضا لا إشكال ، وثالثها : أن يكون المراد من الدعاء العبادة ،
قال عليه الصلاة والسلام : « الدعاء هو العبادة »
ومما يدل عليه قوله تعالى :
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ
[ غافر : 60 ] فظهر أن الدعاء هاهنا هو العبادة ، وإذا ثبت هذا فإجابة اللّه تعالى للدعاء بهذا التفسير عبارة عن الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب كما قال :
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
[ الشورى : 26 ] وعلى هذا الوجه الإشكال زائل ورابعها : أن يفسر الدعاء بطلب العبد من ربه حوائجه فالسؤال المذكور إن كان متوجها على هذا التفسير لم يكن متوجها على التفسيرات الثلاثة المتقدمة ، فثبت أن الإشكال زائل .
المسألة الرابعة : قال المعتزلة :
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
مختص بالمؤمنين
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
[ الأنعام : 82 ] وذلك لأن وصفنا الإنسان بأن اللّه تعالى قد أجاب دعوته ، صفة مدح وتعظيم ، ألا ترى أنا إذا أردنا المبالغة في تعظيم حال إنسان في الدين قلنا إنه مستجاب الدعوة وإذا كان هذا من أعظم المناصب في الدين ، والفاسق واجب الإهانة في الدين ، ثبت أن هذا الوصف لا يثبت إلا لمن لا يتلوث إيمانه بالفسق ، بل الفاسق قد يفعل اللّه ما يطلبه إلا أن ذلك لا يسمى إجابة الدعوة .
أما قوله تعالى :
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي
ففيه مسائل :
المسألة الأولى : وجه الناظم أن يقال : إنه تعالى قال : أنا أجيب دعاءك مع أني غني عنك مطلقا ، فكن أنت أيضا مجيبا لدعائي مع أنك محتاج إلى من كل الوجوه ، فما أعظم هذا الكرم ، وفيه دقيقة أخرى وهي أنه تعالى لم يقل للعبد : أجب دعائي حتى أجيب دعاءك ، لأنه لو قال ذلك لصار لدعائي ، وهذا تنبيه على أن إجابة اللّه عبده فضل منه ابتداء ، وأنه غير معلل بطاعة العبد ، وأن إجابة الرب في هذا الباب إلى العبد متقدمة على اشتغال العبد بطاعة الرب ، وهذا يدل على فساد ما نقلناه عن المعتزلة في المسألة الرابعة .
المسألة الثانية : قال الواحدي : أجاب واستجاب بمعنى واحد : قال كعب الغنوي :
وداع دعا يا من يجيب إلى الندا * فلم يستجبه عند ذاك مجيب
وقال أهل المعنى : الإجابة من العبد للّه الطاعة ، وإجابة اللّه لعبده إعطاؤه إياه مطلوبه ، لأن إجابة كل شيء على وفق ما يليق به .
المسألة الثالثة : إجابة العبد للّه إن كانت إجابة بالقلب واللسان ، فذاك هو الإيمان ، وعلى هذا التقدير يكون قوله :
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي
تكرارا محضا ، وإن كانت إجابة العبد للّه عبارة عن الطاعات كان الإيمان مقدما على الطاعات ، وكان حق النظم أن يقول : فليؤمنوا بي وليستجيبوا لي ، فلم جاء على العكس منه ؟
وجوابه : أن الاستجابة عبارة عن الانقياد والاستسلام ، والإيمان عبارة عن صفة القلب ، وهذا يدل على أن العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوته إلا بتقدم الطاعات والعبادات .
أما قوله تعالى :
لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
فقال صاحب « الكشاف » : قرئ
يَرْشُدُونَ
بفتح الشين وكسرها ، ومعنى الآية أنهم إذا استجابوا لي وآمنوا بي : اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم ، لأن الرشيد هو من كان كذلك ،