حَياةٌ
يفيد الردع عن القتل وعن الجرح وغيرهما فهو أجمع للفوائد وخامسها : أن نفي القتل مطلوب تبعا من حيث إنه يتضمن حصول الحياة ، وأما الآية فإنها دالة على حصول الحياة وهو مقصود أصلي ، فكان هذا أولى وسادسها : أن القتل ظلما قتل ، مع أنه لا يكون نافيا للقتل بل هو سبب لزيادة القتل ، إنما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص وهو القصاص ، فظاهر قولهم باطل ، أما الآية فهي صحيحة ظاهرا وتقديرا ، فظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب .
المسألة الثالثة : احتجت المعتزلة بهذه الآية على فساد قول أهل السنة في قولهم : إن المقتول لو لم يقتل لوجب أن يموت . فقالوا إذا كان الذي يقتل يجب أن يموت لو لم يقتل ، فهب أن شرع القصاص يزجر من يريد أن يكون قاتلا عن الإقدام على القتل ، لكن ذلك الإنسان يموت سواء قتله هذا القاتل أو لم يقتله ، فحينئذ لا يكون شرع القصاص مفضيا إلى حصول الحياة .
فإن قيل : أنا إنما نقول فيمن قتل لو لم يقتل كان يموت لا فيمن أريد قتله ولم يقتل فلا يلزم ما قلتم ، قلنا أليس إنما يقال فيمن قتل لو لم يقتل كيف يكون حاله ؟ فإذا قلتم : كان يموت فقد حكمتم في أن من حق كل وقت صح وقوع قتله أن يكون موته كقتله ، وذلك يصحح ما ألزمناكم لأنه لا بد من أن يكون على قولكم المعلوم أنه لو لم يقتله إما لأن منعه مانع عن القتل ، أو بأن خاف قتله أنه كان يموت وفي ذلك صحة ما ألزمناكم ، هذا كله ألفاظ القاضي أما قوله تعالى :
يا أُولِي الْأَلْبابِ
فالمراد به العقلاء الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف ، فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعداءهم ، وعلموا أنهم يطالبون بالقود صار ذلك رادعا لهم لأن العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف نفسه فإذا خاف ذلك كان خوفه سببا للكف والامتناع ، إلا أن هذا الخوف إنما يتولد من الفكر الذي ذكرناه ممن له عقل يهديه إلى هذا الفكر فمن لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر لا يحصل له هذا الخوف ، فلهذا السبب خص اللّه سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب .
وأما قوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
ففيه مسائل :
المسألة الأولى : لفظة « لعل » للترجي ، وذلك إنما يصح في حق من لم يكن عالما بجميع المعلومات ، وجوابه ما سبق في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
[ البقرة : 21 ] .
المسألة الثانية : قال الجبائي : هذا يدل على أنه تعالى أراد من الكل التقوى ، سواء كان في المعلوم أنهم يتقون أو لا يتقون بخلاف قول المجبرة ، وقد سبق جوابه أيضا في تلك الآية .
المسألة الثالثة : في تفسير الآية قولان أحدهما : قول الحسن والأصم أن المراد لعلكم تتقون نفس القتل بخوف القصاص والثاني : أن المراد هو التقوى من كل الوجوه وليس في الآية تخصيص للتقوى ، فحمله على الكل أولى : ومعلوم أن اللّه تعالى إنما كتب على العباد الأمور الشاقة من القصاص وغيره لأجل أن يتقوا النار باجتناب المعاصي ويكفوا عنها ، فإذا كان هذا هو المقصود الأصلي وجب حمل الكلام عليه .