تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[ البقرة : 209 ] يكون خطابا مع اليهود ، وحينئذ يكون قوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ
[ البقرة : 210 ] حكاية عن اليهود ، والمعنى : أنهم لا يقبلون دينك إلا أن يأتيهم اللّه في ظلل من الغمام والملائكة ، ألا ترى أنهم فعلوا مع موسى مثل ذلك فقالوا :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
[ البقرة : 55 ] وإذا كان هذا حكاية عن حال اليهود ولم يمنع إجراء الآية على ظاهرها ، وذلك لأن اليهود كانوا على مذهب التشبيه ، وكانوا يجوزون على اللّه المجيء والذهاب ، وكانوا يقولون : إنه تعالى تجلى لموسى عليه السلام على الطور في ظلل من الغمام وطلبوا مثل ذلك في زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، وعلى هذا التقدير يكون هذا الكلام حكاية عن معتقد اليهود القائلين بالتشبيه ، فلا يحتاج حينئذ إلى التأويل ، ولا إلى حمل اللفظ على المجاز ، وبالجملة فالآية تدل على أن قوما ينتظرون أن يأتيهم اللّه ، وليس في الآية دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار أو مبطلون ، وعلى هذا التقدير يسقط الإشكال . فإن قيل : فعلى هذا التأويل كيف يتعلق به قوله تعالى :
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
. قلنا : الوجه فيه أنه تعالى لما حكى عنادهم وتوقفهم في قبول الدين على هذا الشرط الفاسد ، فذكر بعده ما يجري مجرى التهديد فقال :
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
وهذا الوجه أظهر عندي من كل ما سبق ، واللّه أعلم بحقيقة كلامه . الوجه السابع : في التأويل ما حكاه القفال في « تفسيره » عن أبي العالية ، وهو أن الإتيان في الظلل مضاف إلى الملائكة ، فأما المضاف إلى اللّه جل جلاله فهو الإتيان فقط ، فكان حمل الكلام على التقديم والتأخير ، ويستشهد في صحته بقراءة من قرأ هل ينظرون إلا أن يأتيهم اللّه والملائكة في ظلل من الغمام قال القفال رحمه اللّه : هذا التأويل مستنكر . أما قوله :
فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ
فاعلم أن الظلل جمع ظلة ، وهي ما أظلك اللّه به ، والغمام لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتمعا متراكما ، فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم ، فكل قطعة ظلة ، والجمع ظلل ، قال تعالى :
وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ
[ لقمان : 32 ] وقرأ بعضهم : إلا أن يأتيهم اللّه في ظلال من الغمام فيحتمل أن يكون الظلال جمع ظلة ، كقلال وقلة ، وأن يكون جمع ظل . إذا عرفت هذا فنقول : المعنى ما ينظرون إلا أن يأتيهم قهر اللّه وعذابه في ظلل من الغمام . فإن قيل : ولم يأتيهم العذاب في الغمام ؟ قلنا : لوجوه أحدها : أن الغمام مظنة الرحمة ، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع ، لأن السر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أهول وأفظع ، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أكثر تأثيرا في السرور ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير ، ومن هذا اشتد على المتفكرين في كتاب اللّه تعالى قوله :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
[ الزمر : 47 ] وثانيها : أن نزول الغمام علامة لظهور ما يكون أشد الأهوال في القيامة قال تعالى :
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 360 | فخر الدين الرازي