قوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ
[ البقرة : 210 ] يعني هؤلاء الكفار معاندون مصرون على الكفر قد أزيحت عللهم وهم لا يوقفون قولهم بهذا الدين الحق إلا على أمور باطلة مثل أن يأتيهم اللّه في ظل من الغمام والملائكة .
فإن قيل : الموصوف بالشيء يقال له : دم عليه ، ولكن لا يقال له : ادخل فيه والمذكور في الآية هو قوله :
ادْخُلُوا
.
قلنا إن الكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجا عنها فغير ممتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالا بعد حال ، وإن كان كائنا فيها في الحال ، لأن حال كونه فيها غير الحالة التي أمر أن / يدخلها ، فإذا كان في الوقت الثاني قد يخرج عنها صح أن يؤمر بدخولها ، ومعلوم أن المؤمنين قد يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال فلا يمتنع أن يأمرهم اللّه تعالى بالدخول في المستقبل في الإسلام وخامسها : أن يكون السلم المذكور في الآية معناه الصلح وترك المحاربة والمنازعة ، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة أي كونوا موافقين ومجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بأن يحملكم على طلب الدنيا والمنازعة مع الناس ، وهو كقوله :
وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
[ الأنفال : 46 ] وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا
[ آل عمران : 200 ] وقال :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
[ آل عمران : 103 ]
وقال عليه الصلاة والسلام : « المؤمن يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه »
وهذه الوجوه في التأويل ذكرها جمهور المفسرين وعندي فيه وجوه أخر أحدها : أن قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إشارة إلى المعرفة والتصديق بالقلب وقوله :
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً
إشارة إلى ترك الذنوب والمعاصي ، وذلك لأن المعصية مخالفة للّه ولرسوله ، فيصح أن يسمي تركها بالسلم ، أو يكون المراد منه :
كونوا منقادين للّه في الإتيان بالطاعات ، وترك المحظورات ، وذلك لأن مذهبنا أن الإيمان باق مع الاشتغال بالمعاصي وهذا تأويل ظاهر وثانيها : أن يكون المراد من السلم كون العبد راضيا ولم يضطرب قلبه على ما روي في الحديث « الرضا بالقضاء باب اللّه الأعظم » وثالثها : أن يكون المراد ترك الانتقام كما في قوله :
وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
[ الفرقان : 72 ] وفي قوله :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
[ الأعراف :
199 ] فهذا هو كلام في وجوه تأويلات هذه الآية .
المسألة الرابعة : قال القفال
كَافَّةً
يصح أن يرجع إلى المأمورين بالدخول أي ادخلوا بأجمعكم في السلم . ولا تفرقوا ولا تختلفوا ، قال قطرب : تقول العرب : رأيت القوم كافة وكافين ورأيت النسوة كافات ويصلح أن يرجع إلى الإسلام أي ادخلوا في الإسلام كله أي في كل شرائعه قال الواحدي رحمة اللّه : هذا أليق بظاهر التفسير لأنهم أمروا بالقيام بها كلها ، ومعنى الكافة في اللغة الحاجزة المانعة يقال : كففت فلانا عن السوء أي منعته ، ويقال : كف القميص لأنه منع الثواب عن الانتشار ، وقيل لطرف اليد : كف لأنه يكف بها عن سائر البدن ، ورجل مكفوف أي كف بصره من أن يبصر ، فالكافة معناها المانعة ، ثم صارت اسما للجملة الجامعة وذلك لأن الاجتماع يمنع من التفرق والشذوذ ، فقوله :
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً
أي ادخلوا في شرائع الإسلام إلى حيث ينتهي شرائع الإسلام فتكفوا من أن تتركوا شيئا من شرائعه ، أو يكون المعنى ادخلوا كلكم حتى تمنعوا واحدا من أن لا يدخل فيه .