تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
يحاسب ليحصل له العلم بذلك الشيء فالحساب سبب لحصول العلم فأطلق اسم السبب على المسبب وثالثها : أن محاسبة اللّه سريعة بمعنى آتية لا محالة .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 203 ]

وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 203 ) اعلم أنه لما ذكر ما يتعلق بالمشعر الحرام لم يذكر الرمي لوجهين أحدهما : أن ذلك كان أمرا مشهورا فيما بينهم وما كانوا منكرين لذلك ، إلا أنه تعالى ذكر ما فيه من ذكر اللّه لأنهم كانوا لا يفعلونه والثاني : لعله إنما لم يذكر الرمي لأن في الأمر بذكر اللّه في هذه الأيام دليلا عليه ، إذ كان من سننه التكبير على كل حصاة منها ثم قال :
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ
وفيه مسائل : المسألة الأولى : إن اللّه تعالى ذكر في مناسك الحج الأيام المعدودات ، والأيام المعلومات فقال هنا :
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ
وقال في سورة الحج :
لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ
[ الحج : 28 ] فمذهب الشافعي رضي اللّه عنه أن المعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة آخرها يوم النحر ، وأما المعدودات فثلاثة أيام بعد يوم النحر ، وهي أيام التشريق ، واحتج على أن المعدودات هي أيام التشريع بأنه تعالى ذكر الأيام المعدودات ، والأيام لفظ جمع فيكون أقلها ثلاثة ، ثم قال بعده :
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
وهذا يقتضي أن يكون المراد
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
من هذه الأيام المعدودات ، وأجمعت الأمة على أن هذا الحكم إنما ثبت في أيام منى وهي أيام التشريق ، فعلمنا أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق ، والقفال أكد هذا بما روى في « تفسيره » عن عبد الرحمن بن نعمان الديلمي ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أمر مناديا فنادى : « الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج ، وأيام منى ثلاثة أيام فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه » وهذا يدل على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق ، قال الواحدي رحمة اللّه عليه : أيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر أولها : يوم النفر ، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة ينفر الناس فيه بمنى والثاني : يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى والثالث : يوم النفر الثاني ، وهذه الأيام الثلاثة مع يوم النحر كلها أيام النحر ، وأيام رمي الجمار في هذه الأيام الأربعة مع يوم عرفة أيام التكبير إدبار الصلوات على ما سنشرح مذاهب الناس فيه . المسألة الثانية : المراد بالذكر في هذه الأيام : الذكر عند الجمرات ، فإنه يكبر مع كل حصاة والذكر إدبار الصلوات والناس أجمعوا على ذلك ، إلا أنهم اختلفوا في مواضع : الموضع الأول : أجمعت الأمة على أن التكبيرات المقيدة بإدبار الصلوات مختصة بعيد الأضحى ، ثم في ابتدائها وانتهائها خلاف . القول الأول : أنها تبتدأ من الظهر يوم النحر إلى ما بعد الصبح من آخر أيام التشريق فتكون التكبيرات على هذا القول في خمس عشرة صلاة ، وهو قول ابن عباس وابن عمر ، وبه قال مالك والشافعي رضي اللّه عنهما في أحد أقواله ، والحجة فيه أن الأمر بهذه التكبيرات إنما / ورد في حق الحاج ، قال تعالى :
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ
[ البقرة : 200 ] ثم قال :
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
وهذا إنما يحصل في حق
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 340 | فخر الدين الرازي