تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
إلى معرفة اللّه تعالى لما نهى عنه في الحج ، بل على ذلك التقدير كان الاشتغال بالجدال في الحج ضم طاعة إلى طاعة فكان أولى بالترغيب فيه وثانيها : قوله تعالى :
ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
[ الزخرف : 58 ] عابهم بكونهم من أهل الجدل ، وذلك يدل على أن الجدل مذموم ، وثالثها : قوله :
وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
[ الأنفال : 46 ] نهي عن المنازعة . وأما جمهور المتكلمين فإنهم قالوا : الجدال في الدين طاعة عظيمة ، واحتجوا عليه بقوله تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ النحل : 125 ] وبقوله تعالى حكاية عن الكفار إنهم قالوا لنوح عليه السلام :
يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا
[ هود : 32 ] ومعلوم أنه ما كان ذلك الجدال إلا لتقرير أصول الدين . إذا ثبت هذا فنقول : لا بد من التوفيق بين هذه النصوص ، فنحمل الجدل المذموم على الجدل في تقرير الباطل ، وطلب المال والجاه ، والجدل الممدوح على الجدل في تقرير الحق ودعوة الخلق إلى سبيل اللّه ، والذب عن دين اللّه تعالى . أما قوله تعالى :
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
[ البقرة : 197 ] فاعلم أن اللّه تعالى قبل هذه الآية أمر بفعل ما هو خير وطاعة ، فقال :
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
[ البقرة : 196 ] وقال :
فَمَنْ فَرَضَ / فِيهِنَّ الْحَجَّ
ونهى عما هو شر ومعصية فقال :
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ
ثم عقب الكل بقوله :
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
وقد كان الأولى في الظاهر أن يقال : وما تفعلوا من شيء يعلمه اللّه ، حتى يتناول كل ما تقدم من الخير والشر ، إلا أنه تعالى خص الخير بأنه يعلمه اللّه لفوائد ولطائف أحدها : إذا علمت منك الخير ذكرته وشهرته ، وإذا علمت منك الشر سترته وأخفيته لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك في الدنيا هكذا ، فكيف في العقبى وثانيها : أن من المفسرين من قال في تفسير قوله :
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها
[ طه : 15 ] معناه : لو أمكنني أن أخفيها عن نفسي لفعلت فكذا هذه الآية ، كأنه قيل للعبد : ما تفعله من خير علمته ، وأما الذي تفعله من الشر فلو أمكن أن أخفيه عن نفسي لفعلت ذلك وثالثها : أن السلطان العظيم إذا قال لعبده المطيع : كل ما تتحمله من أنواع المشقة والخدمة في حقي فأنا عالم به ومطلع عليه ، كان هذا وعدا له بالثواب العظيم ، ولو قال ذلك لعبده المذنب المتمرد كان توعدا بالعقاب الشديد ، ولما كان الحق سبحانه أكرم الأكرمين لا جرم ذكر ما يدل على الوعد بالثواب ، ولم يذكر ما يدل على الوعيد بالعقاب ورابعها : أن جبريل عليه السلام لما قال : ما الإحسان ؟ فقال الرسول عليه الصلاة والسلام : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » فههنا بين للعبد أنه يراه ويعلم جميع ما يفعله من الخيرات لتكون طاعة العبد للرب من الإحسان الذي هو أعلى درجات العبادة ، فإن الخادم متى علم أن مخدومه مطلع عليه ليس بغافل عن أحواله كان أحرص على العمل وأكثر التذاذا به وأقل نفرة عنه وخامسها : أن الخادم إذا علم اطلاع المخدوم على جميع أحواله وما يفعله كان جده واجتهاده في أداء الطاعات وفي الاحتراز عن المحظورات أشد مما إذا لم يكن كذلك ، فلهذه الوجوه أتبع تعالى الأمر بالحج والنهي عن الرفث والفسوق والجدال بقوله :
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
. أما قوله تعالى :
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
ففيه قولان أحدهما : أن المراد : وتزودوا من التقوى ،