تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة تحمل في سبيل اللّه فيهلكوا ، فنزلت هذه الآية على وفق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . واعلم أن الإنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح ، فلذلك لا يقال في المضيع : إنه منفق فإذا قيد الإنفاق بذكر سبيل اللّه ، فالمراد به في طريق الدين ، لأن السبيل هو الطريق ، وسبيل اللّه هو دينه . فكل ما أمر اللّه به في دينه من الإنفاق فهو داخل في الآية سواء كان إنفاقا في حج / أو عمرة أو كان جهادا بالنفس ، أو تجهيزا للغير ، أو كان إنفاقا في صلة الرحم ، أو في الصدقات أو على العيال ، أو في الزكوات والكفارات ، أو عمارة السبيل وغير ذلك ، إلا أن الأقرب في هذه الآية وقد تقدم ذكر الجهاد أنه يراد به الإنفاق في الجهاد ، بل قال :
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
لوجهين الأول : أن هذا كالتنبيه على العلة في وجوب هذا الإنفاق ، وذلك لأن المال مال اللّه فيجب إنفاقه في سبيل اللّه ، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر اللّه اهتز ونشط فيسهل عليه إنفاق المال الثاني : أن هذه الآية إنما نزلت وقت ذهاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إلى مكة لقضاء العمرة ، وكانت تلك العمرة لا بد من أن تفضي إلى القتال إن منعهم المشركون ، فكانت عمرة وجهادا ، واجتمع فيه المعنيان ، فلما كان الأمر كذلك ، لا جرم قال تعالى :
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ولم يقل : وأنفقوا في الجهاد والعمرة . أما قوله تعالى :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال أبو عبيدة والزجاج
التَّهْلُكَةِ
الهلاك يقال : هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة : قال الخارزنجي : لا أعلم في كلام العرب مصدرا على تفعلة بضم العين إلا هذا ، قال أبو علي : قد حكى سيبويه : التنصرة والتسترة ، وقد جاء هذا المثال اسما غير مصدر ، قال : ولا نعلمه جاء صفة قال صاحب « الكشاف » : ويجوز أن يقال أصله التهلكة ، كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر هكذا فأبدلت الضمة بالكسرة ، كما جاء الجوار في الجوار . وأقول : إني لأتعجب كثيرا من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع ، وذلك أنهم لو وجدوا شعرا مجهولا يشهد لما أرادوه فرحوا به ، واتخذوه حجة قوية ، فورود هذا اللفظ في كلام اللّه تعالى المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة ، أولى بأن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها . المسألة الثانية : اتفقوا على أن الباء في قوله :
بِأَيْدِيكُمْ
تقتضي إما زيادة أو نقصانا فقال قوم : الباء زائدة والتقدير : ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة . وهو كقوله : جذبت الثوب بالثوب ، وأخذت القلم بالقلم فهما لغتان مستعملتان مشهورتان ، أو المراد بالأيدي الأنفس كقوله :
بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
[ الحج : 10 ] أو
فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
[ الشورى : 30 ] فالتقدير : ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة ، وقال آخرون : بل هاهنا حذف . والتقدير : ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة . المسألة الثالثة : قوله :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
اختلف المفسرون فيه ، فمنهم من قال : إنه راجع إلى نفس النفقة ، ومنهم من قال : إنه راجع إلى غيرها ، أما الأولون فذكروا فيه وجوه الأول : أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم ، فيستولي العدو عليهم ويهلكهم ، وكأنه قيل : إن كنت من رجال الدين فأنفق مالك في سبيل اللّه وفي طلب مرضاته ، وإن كنت من رجال الدنيا / فأنفق مالك في دفع الهلاك والضرر عن نفسك