تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
أي ما هو إلا إله واحد ، وقال :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ
[ التوبة : 60 ] أي لهم لا لغيرهم وقال تعالى لمحمد :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ *
[ الكهف : 110 ] أي ما أنا إلا بشر مثلكم ، وكذا هذه الآية فإنه تعالى قال في آية أخرى
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ
[ الأنعام : 145 ] فصارت الآيتان واحدة فقوله :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ
في هذه الآية مفسر لقوله :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً
إلا كذا في تلك الآية ، وأما الشعر فقوله الأعشى .
ولست بالأكثر منهم حصى * وإنما العزة للكاثر
وقول الفرزدق :
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما * يدافع عن أحسابه أنا أو مثلي
وأما القياس ، فهو أن كلمة « إن » للإثبات وكلمة « ما » للنفي فإذا اجتمعا فلا بد وأن يبقيا على أصليهما ؛ فإما أن يفيدا ثبوت غير المذكور ، ونفي المذكور وهو باطل بالاتفاق ، أو ثبوت المذكور ، ونفي غير المذكور وهو المطلوب ، واحتج من قال : إنه لا يفيد الحصر بقوله تعالى :
إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ
ولقد كان غيره نذيرا ، وجوابه معناه : ما أنت إلا نذير فهو يفيد الحصر ، ولا ينفي وجود نذير آخر . المسألة الثانية : قرئ
حَرَّمَ
على البناء للفاعل وحرم للبناء للمفعول وحرم بوزن كرم . المسألة الثالثة : قال الواحدي : الميتة ما فارقته الروح من غير زكاة مما يذبح ، وأما الدم فكانت العرب تجعل الدم في المباعر وتشويها ثم تأكلها ، فحرم اللّه الدم وقوله :
لَحْمَ الْخِنْزِيرِ
أراد الخنزير بجميع أجزائه ، لكنه خص اللحم لأنه المقصود بالأكل وقوله :
وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
قال الأصمعي : الإهلال أصله رفع الصوت فكل رافع صوته فهو مهل ، وقال ابن أحمر :
يهل بالفدفد ركبانها * كما يهل الراكب المعتمر
هذا معنى الإهلال في اللغة ، ثم قيل للمحرم مهل لرفعة الصوت بالتلبية عند الإحرام ، هذا معنى الإهلال ، يقال : أهل فلان بحجة أو عمرة أي أحرم بها ، وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام ، والذابح مهل ، لأن العرب كانوا يسمعون الأوثان عند الذبح ، ويرفعون أصواتهم بذكرها ومنه : استهل الصبي ، فمعنى قوله :
وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
يعني ما ذبح للأصنام ، وهو قول مجاهد ، والضحاك وقتادة ، وقال الربيع بن أنس وابن زيد : يعني ما ذكر عليه غير اسم اللّه ، وهذا القول أولى ، لأنه أشد مطابقة للفظ ، قال العلماء : لو أن مسلما ذبح ذبيحة ، وقصد بذبحها التقرب إلى غير اللّه صار مرتدا وذبيحته ذبيحة مرتد ، وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب ، أما ذبائح / أهل الكتاب ، فتحل لنا لقوله تعالى :
وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ
[ المائدة : 5 ] . أما قوله تعالى :
فَمَنِ اضْطُرَّ
ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر والكسائي :
فَمَنِ اضْطُرَّ
بضم النون والباقون بالكسر ، فالضم للاتباع ، والكسر على أصل الحركة لالتقاء الساكنين . المسألة الثانية : اضطر : أحوج وألجئ ، وهو افتعل من الضرورة ، وأصله من الضرر ، وهو الضيق .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 192 | فخر الدين الرازي