واعلم أنه على أي الوجهين كان قد صار منسوخاً ، واحتج الذاهبون إلى القول الأول بالقرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
[ البقرة : 115 ] وذلك يقتضي كونه مخيراً في التوجه إلى أي جهة شاء ، وأما الخبر فما
روى أبو بكر الرازي في كتاب « أحكام القرآن » : أن نفراً قصدوا الرسول عليه الصلاة والسلام من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة ، وكان فيهم البراء بن معرور ، فتوجه بصلاته إلى الكعبة في طريقه ، وأبي الآخرون وقالوا : إنه عليه السلام يتوجه إلى بيت المقدس ، فلما قدموا مكة سألوا النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فقال له : قد كنت على قبلة - يعنى بيت المقدس - لو ثبت عليها أجزأك ولم يأمره باستئناف الصلاة
فدل على أنهم قد كانوا مخيرين ، واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بأنه تعالى قال :
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها
فدل على أنه عليه السلام ما كان يرتضي القبلة الأولى ، فلو كان مخيراً بينها وبين الكعبة ما كان يتوجه إليها فحيث توجه إليها مع أنه كان ما يرتضيها علمنا أنه ما كان مخيراً بينها وبين الكعبة .
المسألة الرابعة : المشهور أن التوجه إلى بيت المقدس إنما صار منسوخاً بالأمر بالتوجه إلى الكعبة ، ومن الناس من قال : التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخاً بقوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
ثم إن ذلك صار منسوخاً بقوله :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
واحتجوا عليه بالقرآن والأثر ، أما القرآن فهو أنه تعالى ذكر أولًا قوله :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
ثم ذكر بعد :
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها
[ البقرة : 142 ] ثم ذكر بعده :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
وهذا الترتيب يقتضي صحة المذهب الذي قلناه بأن التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخاً بقوله :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
فلزم أن يكون قوله تعالى :
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ
متأخراً في النزول والدرجة عن قوله تعالى :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
فحينئذ يكون تقديمه عليه في الترتيب على خلاف الأصل ، فثبت ما قلناه ، وأما الأثر فما روي عن ابن عباس أمر القبلة أول ما نسخ من القرآن ، والأمر بالتوجه إلى بيت المقدس غير مذكور في القرآن ، إنما المذكور في القرآن :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
فوجب أن يكون قوله :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
ناسخاً لذلك ، لا للأمر بالتوجه إلى بيت المقدس .
أما قوله :
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها
ففيه مسائل :
المسألة الأولى :
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ
فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا ، إذا جعلته والياً له ، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمة بيت المقدس .
المسألة الثانية : قوله :
تَرْضاها
فيه وجوه . أحدها : ترضاها تحبها وتميل إليها ، لأن الكعبة / كانت أحب إليه من غيرها بحسب ميل الطبع ، قال القاضي : هذا لا يجوز فإنه من المحال أن يقول اللّه تعالى :
فلنولينك قبلة يميل طبعك إليها ، لأن ذلك يقدح في حكمته تعالى فيما يكلف ، ويقدح في حال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يريده في حال التكليف ، وهذا الاعتراض ضعيف لأن الطعن إنما يتوجه لو قال اللّه تعالى :
أنا حولناك إلى القبلة التي مال طبعك إليها بمجرد ميل طبعك فأما لو قال : أنا حولناك إلى القبلة التي مال طبعك إليها لأجل أن الحكمة والمصلحة وافقت ميل طبعك فأي ضرر يلزم منه
وقال عليه الصلاة والسلام : « وجعلت قرة عيني في الصلاة »
فكان طبعه يميل إلى الصلاة مع أن المصلحة كانت موافقة لذلك . وثانيها :
قِبْلَةً