الفلانية بمعنى : فتحها أولياؤنا ، ومنه يقال : فتح عمر السواد ، ومنه
قول عليه الصلاة والسلام فيما يحكيه عن ربه : « استقرضت عبدي فلم يقرضني ، وشتمني ولم يكن ينبغي له أن يشتمني يقول وا دهراه وأنا الدهر »
و
في الحديث : « من أهان لي ولياً فقد أهانني » .
وثانيها : معناه ليحصل المعدوم فيصير موجوداً ، فقوله :
إِلَّا لِنَعْلَمَ
معناه : إلا لنعلمه موجوداً ، فإن قيل : فهذا يقتضي حدوث العلم ، قلنا : اختلفوا في أن العلم بأن الشيء سيوجد هل هو علم بوجوده إذا وجد الخلاف فيه مشهور . وثالثها : إلا لنميز هؤلاء من هؤلاء بانكشاف ما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق ، فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومن يعادون ، فسمى التمييز علماً ، لأنه أحد فوائد العلم وثمراته . ورابعها :
إِلَّا لِنَعْلَمَ
معناه : إلا لنرى ، ومجاز هذا أن العرب تضع العلم مكان الرؤية ، والرؤية مكان العلم كقوله :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ *
[ الفجر : 6 ] [ الفيل : 1 ] [ إبراهيم : 19 ] ورأيت ، وعلمت ، وشهدت ، ألفاظ متعاقبة . وخامسها : ما ذهب إليه الفراء : وهو أن حدوث العلم في هذه الآية راجع إلى المخاطبين ، ومثاله أن جاهلًا وعاقلًا اجتمعا ، فيقول الجاهل : الحطب يحرق النار ، ويقول العاقل : بل النار تحرق الحطب ، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه معناه : لنعلم أينا الجاهل ، فكذلك قوله :
إِلَّا لِنَعْلَمَ
إلا لتعلموا والغرض من هذا الجنس من الكلام : الاستمالة والرفق في الخطاب ، كقوله :
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً
[ سبأ : 24 ] فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترفيقاً للخطاب ورفقاً بالمخاطب ، فكذا قوله :
إِلَّا لِنَعْلَمَ
. وسادسها :
نعاملكم معاملة المختبر الذي كأنه لا يعلم ، إذ العدل يوجب ذلك . وسابعها : أن العلم صلة زائدة ، فقوله ؛
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ
معناه : إلا ليحصل اتباع المتبعين ، وانقلاب المنقلبين ، ونظيره قولك في الشيء الذي تنفيه عن نفسك : ما علم اللّه هذا مني أي ما كان هذا مني والمعنى : أنه لو كان لعلمه اللّه .
المسألة الثالثة : اختلفوا في أن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة أو بسبب تحويلها ، فمن الناس من قال : إنما حصلت بسبب تعيين القبلة لأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي إلى الكعبة ، فلما جاء المدينة صلى إلى بيت المقدس ، فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم ، ثم إنه لما حوله مرة أخرى إلى الكعبة شق ذلك على اليهود من حيث إنه ترك قبلتهم ، وأما الأكثرون من أهل التحقيق قالوا : هذه المحنة إنما حصلت بسبب التحويل فإنهم قالوا : إن محمداً صلى اللّه عليه وسلّم لو كان على يقين من أمره لما تغير رأيه ، روى القفال عن ابن جريج أنه قال : بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم ، وقالوا مرة هاهنا ومرة هاهنا ، وقال السدي : لما توجه النبي عليه الصلاة والسلام / نحو المسجد الحرام اختلف الناس فقال المنافقون : ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها ، وقال المسلمون : لسنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس ، وقال آخرون : اشتاق إلى بلد أبيه ومولده ، وقال المشركون : تحير في دينه ، واعلم أن هذا القول الأخير أولى لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم من الشبهة الحاصلة بسبب تعيين القبلة ، وقد وصفها اللّه تعالى بالكبيرة فقال :
وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
فكان حمله عليه أولى .
المسألة الرابعة : قوله :
مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ
استعارة ومعناه : من يكفر باللّه ورسوله ، ووجه الاستعارة أن المنقلب على عقبيه قد ترك ما بين يديه وأدبر عنه ، فلما تركوا الإيمان والدلائل صاروا بمنزلة المدبر عما بين يديه فوصفوا بذلك كما قال تعالى :
ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ
[ المدثر : 23 ] وكما قال :
كَذَّبَ وَتَوَلَّى *
[ طه : 48 ] وكل ذلك تشبيه .