تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
واحداً ؟ قلنا : هذا من باب الالتفات الذي ذكرناه مراراً . الثاني : أنه نصب بإضمار أذكر كأنه قيل : اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله . المسألة الثانية : اختلفوا في أن اللّه تعالى متى قال له أسلم ؟ ومنشأ الإشكال أنه إنما يقال له : أسلم في زمان لا يكون مسلماً فيه ، فهل كان إبراهيم عليه السلام غير مسلم في بعض الأزمنة ليقال له في ذلك الزمان أسلم ؟ فالأكثرون على أن اللّه تعالى إنما قال ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ ، وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس ، واطلاعه على أمارات الحدوث فيها ، وإحاطته بافتقارها إلى مدبر يخالفها في الجسمية وأمارات الحدوث ، فلما عرف ربه قال له تعالى :
أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
لأنه لا يجوز أن يقول له ذلك قبل أن عرف ربه ويحتمل أيضاً أن يكون قوله :
أَسْلِمْ
كان قبل الاستدلال ، فيكون المراد من هذا القول لا نفس القول بل دلالة الدليل عليه على حسب مذاهب العرب في هذا كقول الشاعر :
أمتلأ الحوض وقال قطني * مهلًا رويداً قد ملأت بطني
وأصدق دلالة منه قوله تعالى :
أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ
[ الروم : 35 ] فجعل دلالة البرهان كلاماً ، ومن الناس من قال : هذا الأمر كان بعد النبوة ، وقوله :
أَسْلِمْ
ليس المراد / منه الإسلام والإيمان بل أمور أخر . أحدها : الانقياد لأوامر اللّه تعالى ، والمسارعة إلى تلقيها بالقبول ، وترك الإعراض بالقلب واللسان ، وهو المراد من قوله :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
[ البقرة : 128 ] . وثانيها : قال الأصم :
أَسْلِمْ
أي أخلص عبادتك واجعلها سليمة من الشرك وملاحظة الأغيار . وثالثها : استقم على الإسلام وأثبت على التوحيد كقوله تعالى :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[ محمد : 19 ] . ورابعها : أن الإيمان صفة القلب والإسلام صفة الجوارح ، وأن إبراهيم عليه السلام كان عارفاً باللّه تعالى بقلبه وكلفه اللّه تعالى بعد ذلك بعمل الجوارح والأعضاء بقوله :
أَسْلِمْ
.

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 132 ]

وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 ) اعلم أن هذا هو النوع السادس من الأمور المستحسنة التي حكاها اللّه عن إبراهيم وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر وأوصى بالألف وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام والباقون بغير ألف بالتشديد وكذلك هو في مصاحفهم والمعنى واحد إلا أن في
وَصَّى
دليل مبالغة وتكثير . المسألة الثانية : الضمير في
بِها
إلى أي شيء يعود ؟ فيه قولان : الأول : أنه عائد إلى قوله :
أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
[ البقرة : 131 ] على تأويل الكلمة والجملة ، ونحوه رجوع الضمير في قوله :
وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً
[ الزخرف : 28 ] إلى قوله :
إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي
[ الزخرف : 26 ، 27 ] وقوله :
كَلِمَةً باقِيَةً
دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة . القول الثاني : أنه عائد إلى الملة في قوله :
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ
[ البقرة : 130 ] قال القاضي وهذا القول أولى من الأول من وجهين . الأول : أن ذلك غير مصرح به ورد الإضمار إلى المصرح بذكره إذا أمكن أولى من رده إلى المدلول والمفهوم . الثاني : أن الملة أجمع من تلك الكلمة ومعلوم أنه ما وصى ولده إلا بما يجمع فيهم الفلاح والفوز بالآخرة ، والشهادة وحدها لا تقتضي ذلك .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 63 | فخر الدين الرازي