تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
العمرة إذا أضيفت إلى البيت أن تكون بمعنى الزيارة ، لأن المعتمر يطوف بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم ينصرف كالزائر ، وأما الجناح فهو من قولهم : جنح إلى كذا أي مال إليه ، قال اللّه تعالى :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
[ الأنفال : 61 ] وجنحت السفينة إذا لزمت الماء فلم تمض ، وجنح الرجل في الشيء يعلمه بيده إذا مال إليه بصدره وقيل للأضلاع : جوانح لاعوجاجها ، وجناح الطائر من هذا ، لأنه يميل في أحد شقيه ولا يطير على مستوى خلقته فثبت أن أصله من الميل ، ثم من الناس من قال إنه بقي في عرف القرآن كذلك أيضاً فمعنى : لا جناح عليه أينما ذكر في القرآن : لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء ، ومنهم من قال : بل هو مختص بالميل إلى الباطل وإلى ما يأثم به . وقوله :
أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما
أي يتطوف فأدغمت التاء في الطاء كما قال :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
[ المدثر : 1 ] ،
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
[ المزمل : 1 ] أي المتدثر والمتزمل ، ويقال : طاف وأطاف بمعنى واحد . المسألة السادسة : ظاهر قوله تعالى :
فَلا جُناحَ عَلَيْهِ
أنه لا إثم عليه ، والذي يصدق عليه أنه لا إثم في فعله يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح ، ثم يمتاز كل واحد من هذه الثلاثة عن الآخر بقيد زائد ، فإذن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب ، أوليس بواجب ، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه البتة على خصوصية من الرجوع إلى دليل آخر ، إذا عرفت هذا فنقول : مذهب الشافعي رحمه اللّه أن هذا السعي ركن ، ولا يقوم الدم مقامه ، وعند أبي حنيفة رحمه اللّه أنه ليس بركن ، ويقوم الدم مقامه ، وروي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء ، أن من تركه فلا شيء عليه ، حجة الشافعي رضي اللّه عنه من وجوه . أحدها : ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن اللّه كتب عليكم السعي فاسعوا » ، فإن قيل : هذا الحديث متروك الظاهر ، لأنه يقتضي وجوب السعي وهو العدو ، ذلك غير واجب قلنا : لا نسلم أن السعي عبارة عن العدو بدليل قوله :
فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
[ الجمعة : 9 ] والعدو فيه غير واجب ، وقال اللّه تعالى :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
[ النجم : 39 ] وليس المراد منه العدو ، بل الجد والاجتهاد في القصد والنية ، سلمنا أنه يدل على العدو ، ولكن العدو مشتمل على صفة ترك العمل به في حق هذه الصفة ، فيبقى أصل المشي واجباً . وثانيها : ما ثبت أنه عليه السلام سعى لما دنا من الصفا في حجته ، وقال : « إن الصفا والمروة من شعائر اللّه ابدءوا بما بدأ اللّه به » فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأي / البيت ، وإذا ثبت أنه عليه السلام سعى وجب أن يجب علينا السعي للقرآن والخبر ، أما القرآن : فقوله تعالى :
وَاتَّبِعُوهُ
وقوله :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
[ آل عمران : 31 ] وقوله :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
[ الأحزاب : 21 ] وأما الخبر فقوله عليه السلام : « خذوا عني مناسككم » والأمر للوجوب . وثالثها : أنه أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم ، أو يؤتى به في إحرام كامل فكان جنسها ركناً كطواف الزيارة ، ولا يلزم طواف الصدر لأن الكلام للجنس لوجوبه مرة ، واحتج أبو حنيفة رضي اللّه عنه بوجهين . أحدهما : هذه الآية وهي قوله :
فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما
وهذا لا يقال في الواجبات . ثم أنه تعالى أكد ذلك بقوله :
وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً
فبين أنه تطوع وليس بواجب . وثانيهما : قوله : « الحج عرفة » ومن أدرك عرفة فقد تم حجه ، وهذا يقتضي التمام من جميع الوجوه ، ترك العمل به في بعض الأشياء ، فيبقى معمولًا به في السعي والجواب عن الأول من وجوه . الأول : ما بينا أن قوله :
فَلا جُناحَ عَلَيْهِ
ليس فيه إلا أنه لا إثم على فاعله ، وهذا القدر المشترك بين الواجب وغيره ، فلا يكون فيه دلالة