المسألة الثانية : أمال الكسائي في بعض الروايات من
إِنَّا
ولام
لِلَّهِ
والباقون بالتفخيم وإنما جازت الإمالة في هذه الألف للكسرة مع كثرة الاستعمال ، حتى صارت بمنزلة الكلمة الواحدة ، قال الفراء والكسائي :
لا يجوز إمالة « إنا » مع غير اسم اللّه تعالى ، وإنما وجب ذلك لأن الأصل في الحروف وما جرى مجراها امتناع الإمالة وكذلك لا يجوز إمالة « حتى » و « لكن » .
أما قوله :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أبو بكر الوراق
إِنَّا لِلَّهِ
إقرار منا له بالملك :
وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
إقرار على أنفسنا بالهلاك ، واعلم أن الرجوع إليه ليس عبارة عن الانتقال إلى مكان أو جهة ، فإن ذلك على اللّه محال ، بل المراد أنه يصير إلى حيث لا يملك الحكم فيه سواء ، وذلك هو الدار الآخرة ، لأن عند ذلك لا يملك لهم أحد نفعاً ولا ضرًا ، وما داموا في الدنيا قد يملك غير اللّه نفعهم وضرهم بحسب الظاهر ، فجعل اللّه تعالى هذا رجوعاً إليه تعالى ، كما يقال : إن الملك والدولة يرجع إليه / لا بمعنى الانتقال بل بمعنى القدرة وترك المنازعة .
المسألة الثانية : هذا يدل على أن ذلك إقرار بالبعث والنشور ، والاعتراف بأنه سبحانه سيجازي الصابرين على قدر استحقاقهم ، ولا يضيع عنده أجر المحسنين .
المسألة الثالثة : قوله :
إِنَّا لِلَّهِ
يدل على كونه راضياً بكل ما نزل به في الحال من أنواع البلاء وقوله :
وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
يدل على كونه في الحال راضياً بكل ما سينزل به بعد ذلك ، من إثابته على ما كان منه ، ومن تفويض الأمر إليه على ما نزل به ، ومن الانتصاب ممن ظلمه ، فيكون مذللًا نفسه ، راضياً بما وعده اللّه به من الأجر في الآخرة .
المسألة الرابعة : الأخبار في هذا الباب كثيرة . أحدها :
عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « من استرجع عند المصيبة : جبر اللّه مصيبته ، وأحسن عقباه ، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه » .
وثانيها :
روي أنه طفئ سراج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « إنا للّه وإنا إليه راجعون » فقيل أمصيبة هي ؟ قال : نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة .
وثالثها :
قالت أم سلمة : حدثني أبو سلمة أنه عليه الصلاة والسلام قال : « ما من مسلم يصاب بمصيبة فيفزع إلى ما أمر اللّه به من قوله :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني فيها وعوضني خيراً منها إلا آجره اللّه عليها وعوضه خيراً منها » قالت : فلما توفي أبو سلمة ذكرت هذا الحديث وقلت هذا القول : فعوضني اللّه تعالى محمداً عليه الصلاة والسلام .
ورابعها : قال ابن عباس : أخبر اللّه أن المؤمن إذا سلم لأمر اللّه تعالى ورجع واسترجع عند مصيبته كتب اللّه تعالى له ثلاث خصال : الصلاة من اللّه ، والرحمة وتحقيق سبيل الهدى .
وخامسها : عن عمر رضي اللّه عنه قال : نعم العدلان وهما :
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ
ونعمت العلاوة وهي قوله :
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
وقال ابن مسعود : لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أقول لشيء قضاه اللّه تعالى : ليته لم يكن .
أما قوله :
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ
فاعلم أن الصلاة من اللّه هي : الثناء والمدح والتعظيم ، وأما رحمته فهي : النعم التي أنزلها به عاجلًا ثم آجلًا .
وأما قوله :
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
ففيه وجوه . أحدها : أنهم المهتدون لهذه الطريقة الموصلة بصاحبها