القول الثالث : أن المشركين كانوا يقولون : إن أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلّم يقتلون أنفسهم ويخسرون حياتهم فيخرجون من الدنيا بلا فائدة ويضيعون أعمارهم إلى غير شيء ، وهؤلاء الذين قالوا ذلك ، يحتمل أنهم كانوا دهرية ، ينكرون المعاد ، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين بالمعاد إلا أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، فلذلك قالوا هذا الكلام ، فقال اللّه تعالى : ولا تقولوا كما قال المشركون إنهم أموات لا ينشرون ولا ينتفعون بما تحملوا من الشدائد في الدنيا ، ولكن اعلموا أنهم أحياء ، أي سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة وتفسير قوله :
أَحْياءٌ
بأنهم سيحيون غير بعيد ، قال اللّه تعالى :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
[ الانفطار : 13 ، 14 ] وقال :
أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها
[ الكهف : 29 ] وقال :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
[ النساء : 145 ] وقال :
فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
[ الحج : 56 ] على معنى أنهم سيصيرون كذلك وهذا القول اختيار الكعبي وأبي مسلم الأصفهاني واعلم أن أكثر العلماء على ترجيح القول الأول ، والذي يدل عليه وجوه . أحدها : الآيات الدالة على عذاب القبر ، كقوله تعالى :
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
[ غافر : 11 ] والموتتان لا تحصل إلا عند حصول الحياة في القبر ، وقال اللّه تعالى :
أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً
[ نوح : 25 ] والفاء للتعقيب ، وقال :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
[ غافر : 46 ] وإذا ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضاً لأن العذاب حق اللّه تعالى على العبد والثواب حق للعبد على اللّه تعالى ، فاسقط العقاب أحسن من إسقاط الثواب فحيثما أسقط العقاب إلى يوم القيامة بل حققه في القبر ، كان ذلك في الثواب أولى . وثانيها : أن المعنى لو كان على ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن لقوله :
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
معنى لأن الخطاب للمؤمنين وقد كانوا لا يعلمون أنهم سيحيون يوم القيامة ، وأنهم ماتوا على هدى ونور ، فعلم أن الأمر على ما قلنا من أن اللّه تعالى أحياهم في قبورهم . وثالثها : أن قوله :
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ
[ آل عمران : 170 ] دليل على حصول الحياة في البرزخ قبل البعث . ورابعها :
قوله عليه الصلاة والسلام : « القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران »
والأخبار في ثواب القبر وعذابه كالمتواترة ،
وكان عليه الصلاة والسلام يقول في آخر / صلاته : « وأعوذ بك من عذاب القبر » .
وخامسها : أنه لو كان المراد من قوله : أنهم أحياء أنهم سيحيون ، فحينئذ لا يبقى لتخصيصهم بهذا فائدة ، أجاب عنه أبو مسلم بأنه تعالى إنما خصهم بالذكر لأن درجتهم في الجنة أرفع ومنزلتهم أعلى وأشرف لقوله تعالى :
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ
[ النساء : 69 ] فأرادهم بالذكر تعظيماً .
وأعلم أن هذا الجواب ضعيف وذلك لأن منزلة النبيين والصديقين أعظم مع أن اللّه تعالى ما خصهم بالذكر . وسادسها : أن الناس يزورون قبور الشهداء ويعظمونها وذلك يدل من بعض الوجوه على ما ذكرناه ، واحتج أبو مسلم على ترجيح قوله بأنه تعالى ذكر هذه الآية في آل عمران فقال :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ آل عمران : 169 ] وهذه العندية ليست بالمكان ، بل بالكون في الجنة ، ومعلوم أن أهل الثواب لا يدخلون الجنة إلا بعد القيامة . والجواب : لا نسلم أن هذه العندية ليست إلا بالكون في الجنة بل بإعلاء الدرجات وإيصال البشارات إليه وهو في القبر أو في موضع آخر ، واعلم أن في الآية قولًا آخر وهو : أن ثواب القبر وعذابه للروح لا للقالب ، وهذا القول بناء على معرفة الروح ، ولنشر إلى خلاصة حاصل قول هؤلاء فنقول :