تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
القول الثاني : أنه استثناء منقطع ، ومعناه لكن الذين ظلموا منهم يتعلقون بالشبهة ويضعونها موضع الحجة ، وهو كقوله تعالى :
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ
[ النساء : 157 ] وقال النابغة :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب
ومعناه : لكن بسيوفهم فلول وليس بعيب ويقال ما له على حق إلا التعدي يعني لكنه يتعدى ويظلم ، ونظيره أيضاً قوله تعالى :
إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَنْ ظَلَمَ
[ النمل : 10 ، 11 ] وقال :
لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ
[ هود : 43 ] وهذا النوع من الكلام عادة مشهورة للعرب . القول الثالث : زعم أبو عبيدة أن ( إلا ) بمعنى الواو كأنه تعالى قال : لئلا يكون للناس عليكم حجة وللذين ظلموا وأنشد :
وكل أخ مفارقة أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان
يعني : والفرقدان . القول الرابع : قال قطرب : موضع
الَّذِينَ
خفض لأنه بدل من الكاف والميم في عليكم كأنه قيل : لئلا يكون عليكم حجة إلا الذين ظلموا فإنه يكون حجة عليهم وهم الكفار ، قال علي بن عيسى : هذان الوجهان بعيدان . أما قوله تعالى :
فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي
فالمعنى لا تخشوا من تقدم ذكره ممن يتعنت ويجادل ويحاج ، ولا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضرنكم واخشوني ، يعني احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم ، وهذه الآية يدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه : خشية عقاب اللّه ، وأن يعلم أنه ليس في يد الخلق شيء البتة ، وأن / لا يكون مشتغل القلب بهم ، ولا ملتفت الخاطر إليهم . أما قوله تعالى :
وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ
فقد اختلفوا في متعلق اللام على وجوه . أحدها : أنه راجع إلى قوله تعالى :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ
، و
لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ
فبين اللّه تعالى أنه حولهم إلى هذه الكعبة لهاتين الحكمتين . إحداهما : لانقطاع حجتهم عنه . والثانية : لتمام النعمة ، وقد بين أبو مسلم بن بحر الأصفهاني ما في ذلك من النعمة ، وهو أن القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما كانوا يفعلون فلما حول صلى اللّه عليه وسلّم إلى بيت المقدس لحقهم ضعف قلب ، ولذلك كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يحب التحول إلى الكعبة لما فيه من شرف البقعة فهذا موضع النعمة . وثانيها : أن متعلق اللام محذوف ، معناه : ولإتمام النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك . وثالثها : أن يعطف على علة مقدرة ، كأنه قيل : واحشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم ، والقول الأول أقرب إلى الصواب فإن قيل : إنه تعالى أنزل عند قرب وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
[ المائدة : 3 ] فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم ، فكيف قال قبل ذلك اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية :
وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ
قلنا : تمام النعمة اللائقة في كل وقت هو الذي خصه به ، وفي الحديث : « تمام النعمة دخول الجنة » و عن علي رضي اللّه عنه : تمام النعمة الموت على الإسلام . واعلم أن الذي حكيناه عن أبي مسلم رحمه اللّه من التشكك في صلاة الرسول وصلاة أمته إلى بيت