تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
الصغيرة ، ويدل عليه وجوه : أحدها : لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة وذلك غير جائز ، بيان الملازمة أن درجة الأنبياء كانت في غاية الجلال والشرف ، وكل من كان كذلك كان صدور الذنب عنه أفحش ألا ترى إلى قوله تعالى :
يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ
، [ الأحزاب : 30 ] والمحصن يرجم وغيره يحد ، وحد العبد نصف حد الحر ، وأما أنه لا يجوز أن يكون النبي أقل حالًا من الأمة فذاك بالإجماع . وثانيها : أن بتقدير إقدامه على الفسق وجب أن لا يكون مقبول الشهادة لقوله تعالى :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
[ الحجرات : 6 ] لكنه مقبول الشهادة ، وإلا كان أقل حالًا من عدول الأمة ، وكيف لا نقول ذلك وأنه لا معنى للنبوة والرسالة إلا أنه يشهد على اللّه تعالى بأنه شرع هذا الحكم وذاك ، وأيضاً فهو يوم القيامة شاهد على الكل لقوله :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
[ البقرة : 143 ] . وثالثها : أن بتقدير إقدامه على الكبيرة يجب زجره عنها ، فلم يكن إيذاؤه محرماً لكنه محرم لقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
[ الأحزاب : 57 ] . ورابعها : أن محمداً صلى اللّه عليه وسلم لو أتى بالمعصية لوجب علينا الاقتداء به فيها لقوله تعالى :
فَاتَّبِعُونِي *
[ آل عمران : 31 ] فيفضي إلى الجمع بين الحرمة والوجوب وهو محال ، وإذا ثبت ذلك حق محمد صلى اللّه عليه وسلم ثبت أيضاً في سائر الأنبياء ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق . وخامسها : أنا نعلم ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح من نبي رفع اللّه درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفة في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه : لا تفعل كذا فيقدم عليه ترجيحاً للذته غير ملتفت إلى نهي ربه ولا منزجر بوعيده . هذا معلوم القبح بالضرورة . وسادسها : أنه لو صدرت المعصية من الأنبياء لكانوا مستحقين للعذاب لقوله تعالى :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها
[ الجن : 23 ] ولا استحقوا اللعن لقوله :
أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
[ هود : 18 ] وأجمعت الأمة على أن أحداً من الأنبياء لم يكن مستحقاً للعن ولا للعذاب فثبت أنه ما صدرت المعصية عنه . وسابعها : أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة اللّه فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
[ البقرة : 44 ] . وقال :
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
[ هود : 88 ] ، فما لا يلق بواحد من وعاظ الأمة كيف يجوز أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام . وثامنها : قوله تعالى :
إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
[ الأنبياء : 90 ] ، ولفظ الخيرات للعموم فيتناول الكل ويدخل فيه فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي ، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل ما ينبغي فعله وتاركين كل ما ينبغي تركه ، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم . وتاسعها : قوله تعالى :
وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ
[ ص : 47 ] ، وهذا يتناول جميع الأفعال والتروك بدليل جواز الاستثناء فيقال : فلاناً من المصطفين الأخيار إلا في الفعلة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحته ، فثبت أنهم كانوا أخياراً في كل الأمور ، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم . وقال :
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ
[ الحج : 75 ] ،
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ / إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ
[ آل عمران : 33 ] . وقال في إبراهيم :
وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا
[ البقرة : 130 ] . وقال في موسى :
إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي
[ الأعراف : 144 ] . وقال :
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ
[ ص : 45 - 47 ] . فكل هذه الآيات دالة على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرية ، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم . عاشرها : أنه تعالى حكى عن إبليس قوله :
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ