عَدُوٌّ
. . .
اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً
[ البقرة : 36 ، 38 ] ، ويدل عليه أيضاً قوله :
فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
[ البقرة : 38 ، 39 ] . وهذا حكم يعم الناس كلهم ومعنى :
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
ما عليه الناس من التعادي والتباغض وتضليل بعضهم لبعض ، واعلم أن هذا القول ضعيف لأن الذرية ما كانوا موجودين في ذلك الوقت فكيف يتناولهم الخطاب ؟ أما من زعم أن أقل الجمع اثنان فالسؤال زائل على قوله .
المسألة الثالثة : اختلفوا في أن قوله :
اهْبِطُوا
أمر أو إباحة ، والأشبه أنه أمر لأن فيه مشقة شديدة لأن مفارقة ما كانا فيه من الجنة إلى موضع لا تحصل المعيشة فيه إلا بالمشقة والكد من أشق التكاليف ، وإذا ثبت هذا بطل ما يظن أن ذلك عقوبة ، لأن التشديد في التكليف سبب للثواب ، فكيف يكون عقاباً مع ما فيه من النفع العظيم ؟ فإن قيل : ألستم تقولون في الحدود وكثير من الكفارات إنها عقوبات وإن كانت من باب التكاليف ، قلنا : أما الحدود فهي واقعة بالمحدود من فعل الغير ، فيجوز أن تكون عقاباً إذا كان الرجل مصراً ، وأما الكفارات فإنما يقال في بعضها إنه يجري مجرى العقوبات لأنها لا تثبت إلا مع المأثم . فأما أن تكون عقوبة مع كونها تعريضات للثواب العظيم فلا .
المسألة الرابعة : أن قوله تعالى :
اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
، أمر بالهبوط وليس أمراً بالعداوة ، لأن عداوة إبليس لآدم وحواء عليهما السلام بسبب الحسد والاستكبار عن السجود واختداعه إياهما حتى أخرجهما من الجنة وعداوته لذريتهما بإلقاء الوسوسة والدعوة إلى الكفر والمعصية ، وشيء من ذلك لا يجوز أن يكون مأموراً به ، فأما عداوة آدم لإبليس / فإنها مأمور بها لقوله تعالى :
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
[ فاطر : 6 ] وقال تعالى :
يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
[ الأعراف : 27 ] إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من الآية اهبطوا من السماء وأنتم بعضكم لبعض عدو .
المسألة الخامسة : المستقر قد يكون بمعنى الاستقرار كقوله تعالى :
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
[ القيامة : 12 ] ، وقد يكون بمعنى المكان الذي يستقر فيه كقوله تعالى :
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا
[ الفرقان : 24 ] ، وقال تعالى :
فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ
[ الأنعام : 98 ] إذا عرفت هذا فنقول : الأكثرون حملوا قوله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ
[ البقرة : 36 ] [ الأعراف : 24 ] ، على المكان ، والمعنى أنها مستقركم حالتي الحياة والموت ، وروى السدي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : المستقر هو القبر ، أي قبوركم تكونون فيها . والأول أولى لأنه تعالى قدر المتاع وذلك لا يليق إلا بحال الحياة ، ولأنه تعالى خاطبهم بذلك عند الإهباط وذلك يقتضي حال الحياة ، واعلم أنه تعالى قال في سورة الأعراف في هذه القصة :
قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ، قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ
[ الأعراف : 24 ، 25 ] ، فيجوز أن يكون قوله :
فِيها تَحْيَوْنَ
، إلى آخر الكلام بياناً لقوله :
وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
، ويجوز أن يكون زيادة على الأول .
المسألة السادسة : اختلفوا في معنى الحين بعد اتفاقهم على أنه اسم للزمان والأولى أن يراد به الممتد من الزمان لأن الرجل يقول لصاحبه : ما رأيتك منذ حين إذا بعدت مشاهدته له ولا يقال ذلك مع قرب المشاهدة ، فلما كانت أعمار الناس طويلة وآجالهم عن أوائل حدوثهم متباعدة جاز أن يقول :
وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
.