يقوم به ، يحتاج إلى من ينفعه والإنسان قلما يرغب في صحبة مثل هذا ، وإذا كان هذا التكليف شاقاً على النفس لا جرم كانت درجته عظيمة في الدين .
التكليف الخامس : قوله تعالى :
وَالْمَساكِينِ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : « والمساكين » واحدها مسكين ، أخذ من السكون كأن الفقر قد سكنه وهو أشد فقراً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة رضي اللّه عنه واحتجوا بقوله تعالى :
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ
[ البلد : 16 ] وعند الشافعي رضي اللّه عنه : الفقير أسوأ حالًا ، لأن الفقير اشتقاقه من فقار الظهر كأن فقاره انكسر لشدة حاجته وهو قول ابن الأنباري . واحتجوا عليه بقوله تعالى :
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ
[ الكهف : 79 ] جعلهم مساكين مع أن السفينة كانت ملكاً لهم .
المسألة الثانية : إنما تأخرت درجتهم عن اليتامى لأن المسكين قد يكون بحيث ينتفع به في الاستخدام فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى ، ولأن المسكين أيضاً يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح معيشته ، واليتيم ليس كذلك فلا جرم قدم اللّه ذكر اليتيم على المسكين .
المسألة الثالثة : الإحسان إلى ذي القربى واليتامى ، لا بد وأن يكون مغايراً للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير .
التكليف السادس : قوله تعالى :
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : ( حسناً ) بفتح الحاء والسين على معنى الوصف للقول ، كأنه قال :
قولوا للناس قولًا حسناً ، والباقون بضم الحاء وسكون السين ، واستشهدوا بقوله تعالى :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً
[ العنكبوت : 8 ] وبقوله :
ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ
[ النمل : 11 ] وفيه أوجه ، الأول : قال الأخفش : معناه قولًا ذا حسن . الثاني : يجوز أن يكون حسناً في موضع حسناً كما تقول : رجل عدل . الثالث :
أن يكون معنى قوله :
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
أي ليحسن قولكم نصب على مصدر الفعل الذي دل عليه الكلام الأول . الرابع : حسناً أي قول هو حسن في نفسه لإفراط حسنه .
المسألة الثانية : يقال : لم خوطبوا بقولوا بعد الإخبار ؟ والجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه على طريقة الالتفات كقوله تعالى :
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ
[ يونس : 22 ] . وثانيها : فيه حذف أي قلنا لهم قولوا . وثالثها : الميثاق لا يكون إلا كلاماً كأنه قيل : قلت لا تعبدوا وقولوا .
المسألة الثالثة : اختلفوا في أن المخاطب بقوله :
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
من هو ؟ فيحتمل أن يقال : إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا اللّه وعلى أن يقولوا للناس حسناً ويحتمل أن يقال : إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا اللّه ثم قال لموسى وأمته : قولوا للناس حسناً والكل ممكن بحسب اللفظ وإن كان الأول أقرب حتى تكون القصة قصة واحدة مشتملة على محاسن العادات ومكارم الأخلاق من كل الوجوه .
المسألة الرابعة : منهم من قال : إنما يجب القول الحسن مع المؤمنين ، أما مع الكفار والفساق فلا ، والدليل عليه وجهان ، الأول : أنه يجب لعنهم وذمهم والمحاربة معهم ، فكيف يمكن أن يكون القول معهم حسناً ، والثاني : قوله تعالى :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
[ النساء : 148 ] فأباح الجهر