الذكر فيكون أنثى ، وبالعكس فدل على الصانع ، وسادسها : تمسك أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه بقلعة حصينة ملساء لا فرجة فيها ظاهرها كالفضة المذابة وباطنها كالذهب الإبريز ، ثم انشقت الجدران وخرج من القلعة حيوان سميع بصير فلا بد من الفاعل ، عنى بالقلعة البيضة وبالحيوان الفرخ ، وسابعها : سأل هارون الرشيد مالكاً عن ذلك فاستدل باختلاف الأصوات وتردد النغمات وتفاوت اللغات . وثامنها : سئل أبو نواس عنه ، فقال :
تأمل في نبات الأرض وانظر * إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات * وأزهار كما الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات * بأن اللّه ليس له شريك
وتاسعها : سئل أعرابي عن الدليل فقال : البعرة تدل على البعير . والروث على الحمير ، وآثار الأقدام على المسير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج . وبحار ذات أمواج ، أما تدل / على الصانع الحليم العليم القدير ؟
وعاشرها : قيل لطبيب : بم عرفت ربك ؟ قال باهليلج مجفف أطلق ، ولعاب ملين أمسك ! وقال آخر : عرفته بنحلة بأحد طرفيها تعسل ، والآخر تلسع ! والعسل مقلوب اللسع . وحادي عشرها : حكم البديهية في قوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[ الزخرف : 87 ] ،
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ
[ غافر : 87 ] .
المسألة الرابعة : قال القاضي : الفائدة في قوله :
الَّذِي خَلَقَكُمْ
أن العبادة لا تستحق إلا بذلك ، فلما ألزم عباده بالعبادة بين ماله ولأجله تلزم العبادة . فإن قيل فما الفائدة في قوله :
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
وخلق اللّه من قبلهم لا يقتضي وجوب العبادة عليهم ، قلنا الجواب من وجهين : الأول : إن الأمر وإن كان على ما ذكرت ولكن علمهم بأن اللّه تعالى خلقهم كعلمهم بأنه تعالى خلق من قبلهم لأن طريقة العلم بذلك واحدة . الثاني : أن من قبلهم كالأصول لهم ، وخلق الأصول يجري مجرى الإنعام على الفروع فكأنه تعالى يذكرهم عظيم إنعامه عليهم ، كأنه تعالى يقول : لا تظن أني إنما أنعمت عليك حين وجدت بل كنت منعماً عليك قبل أن وجدت بألوف سنين بسبب أني كنت خالقاً لأصولك وآبائك .
المسألة الخامسة : في قوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
بحثان : البحث الأول : أن كلمة لعل للترجي والإشفاق ، تقول لعل زيداً يكرمني وقال تعالى :
لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
[ طه : 44 ] ،
لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
[ الشورى : 17 ] ألا ترى إلى قوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها
[ الشورى : 18 ] والترجي والإشفاق لا يحصلان إلا عند الجهل بالعاقبة وذلك على اللّه تعالى محال ، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجوه :
أحدها : أن معنى « لعل » راجع إلى العباد لا إلى اللّه تعالى فقوله :
لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
أي اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما في إيمانه ، ثم اللّه تعالى عالم بما يؤول إليه أمره . وثانيها : أن من عادة الملوك والعظماء أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا لعل وعسى ونحوهما من الكلمات ، أو للظفر منهم بالرمزة ، أو الابتسامة أو النظرة الحلوة فإذا عثر على شيء من ذلك لم يبق للطالب شك في الفوز بالمطلوب فعلى هذا الطريق ورد لفظ لعل في كلام اللّه تعالى . وثالثها : ما قيل أن لعل بمعنى كي ، قال صاحب « الكشاف » : ولعل لا يكون بمعنى كي ، ولكن كلمة لعل للأطماع ، والكريم الرحيم إذا أطمع فعلى ما يطمع فيه لا محالة تجري أطماعه مجرى وعده المحتوم ، فلهذا السبب قيل لعل في كلام اللّه تعالى بمعنى كي . ورابعها : أنه تعالى فعل بالمكلفين ما لو فعله غيره لاقتضى رجاء حصول المقصود ، لأنه